الرئيسية | المقالات | الترجمة والشعر بين مثقفي الداخل والخارج بقلم: د. نادية هناوي سعدون

الترجمة والشعر بين مثقفي الداخل والخارج بقلم: د. نادية هناوي سعدون

عدد القراءات : 275

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 ليس جديدا أن يشيد بعض مثقفي الداخل العراقي بأدباء الخارج شعراء وقصاصين وروائيين ونقادا أكثر ربما من نظرائهم في الداخل العراقي.. في وقت نجد فيه أن مثقفي الخارج أنفسهم قد لا يوجهون اهتماما مماثلا لأقرانهم من أدباء الداخل أو ربما أزاء بعضهم بعضا.
اقول هذا وأشخصه وأنا اقرأ مقالة الدكتور الناقد والمترجم حسن ناظم التي نشرت في ثقافية جريدة الصباح الغراء بتاريخ 16/ ايلول 2015 وعنوانها ( حصّة الغريب بلونيْه الفرنسي والعربي)
والحقيقة ان كاظم جهاد المترجم والناقد والشاعر لم تتفتق مواهبه في باريس، ولم تكن الثقافة العربية، غير العراقية هي وحدها التي وجدت فيه مثقفا أولى بالاهتمام والتميز كما ليس أكيدا أيضا أن ( العراق، حتى الآن، لا يعرف كاظم جهاد، وقد لا يريده لجهل أو لتجاهل، وكلاهما معهود من بلدنا الحبيب) .
فالداخل العراقي كان له أن احتوى كاظما تاركا فيه أثرا ومبلورا له هويته وكاشفا له موهبته فكيف بعد ذاك ان لا يكون للداخل فيه أي أثر وهو الذي أمده بأبجديات العلم والمعرفة التي توطدت فيما بعد مع أجواء الهجرة والارتحال القسري حينا والمزاجي حينا آخر لتسهم جميعها لا بعضها في تبلور إبداعية جهاد مثلما أسهمت في تبلور إمكانيات أغلب عراقيي الخارج عموما ومبدعيه تحديدا.

درس الترجمة

وهنا أشير إلى مقالة لي كانت قد نشرتها ثقافية جريدة الصباح الغراء بعنوان( أكاديمية الترجمة وريادتها عند كاظم جهاد درسا وحوارا) والتي كانت في الأصل رداً على مقالة للأستاذ الناقد علي حسن الفواز نشرتها ثقافية الصباح بتاريخ 6 /12/ 2014 وعنوانها ( الترجمة بوصفها درسا معرفيا)
وفي مقالتي الرادة تلك أردت أن أبين كيف كان للترجمة كدرس معرفي وأكاديمي عند كاظم جهاد ريادة مشهودة على النطاقين العربي والعالمي والسبب أن نصوصه الترجمية ذكية تأتي عن فهم ودراية قبل أن تتولد من مقابلة لفظة من لغة ما بالذي يقابلها من لغة اخرى.
وأوضحت أيضا أن كون هذه الريادة مغامرة في عالم المعرفة الشائك إلا انها كانت مغامرة محظوظة لأن صاحبها كاظم جهاد ناقد واع لما يفعل، ومترجم هاو ومحترف عمقا واتساعا اشهارا وتواريا مشغوفا باكتناه عوالم المعرفة عربيا وغربيا.
وتعقيبا على ما كان الناقد الدكتور حسن ناظم قد وصف فيها جهادا الشاعر والمترجم بأنه (يحملُ كآبةَ تاريخ العراق) وأن يأسه أي كاظم جهاد ( من الآخر قوقعَ همومه في ذاتية تتأمل ذاتها) وأن هذين السببين يقفان وراء انحسار نطاق التجربة الشعرية مقابل علو كفة التجربة الترجمية للشعر أو للنقد والفلسفة؛ فإنني أرى أن الاهتمام الابداعي بالشعر ما كان له ان يثبت عند كاظم جهاد لا سيما بعد ان شغلته الترجمة الموطدة لحقل نقدي حداثي ابتدأ بالتفكيك وانتهى بما بعده.

الهوية الابداعية

وان جهادا ولهذا السبب تحديدا انزاح من داخل الشعر الى البحث في خارجه عن معنى يند عن الحصر الى معنى دقيق للفظة قد تغدو عند الدارسين والباحثين مصطلحا قارا.
وان هذا الانشغال الترجمي هو ما حقق لجهاد هويته الإبداعية وهو الذي فهم جاك دريدا، كما لم يفهمه النقاد العرب بسبب تعمقه في استثمار قراءات البنيويين الغربيين للغة والكلام والكتابة كثالوث معرفي وفكري يدور في ميدان الادب او الابداع المكتوب حصرا لا عموما.

المستوى التعريبي

واما محصلة ما توصل اليه حسن ناظم من ( أن كاظم جهاد يُهمل مشروعه الشعري لصالح أنشطته الأخرى في الترجمة والكتابة النقدية) فإنها لاتعد صائبة بأزاء أهمية اكبر هي ريادته على المستوى التعريبي للمصطلحات النقدية، وهو الذي خبر الواقع النقدي العربي وعرف ان واحدة من أهم أزمات الخطاب النقدي العربي غياب جهاز اصطلاحي لما هو مترجم عن النقد الغربي من نظريات ومناهج ورؤى ولان جهادا كان معربا متخصصا في النقد والأدب، لذلك غدا ترويجه لمفاهيم التفكيك وآلياته بمثابة التأصيل المعرفي الذي أسهم في مد النقد العربي المعاصر بمزيد من الدقة والصرامة وبشكل قد لا أجانب الصواب فيه اذا قلت ان ليس لمترجم عربي آخر ان يصارعه عليه.
ولو لم يخلص كاظم جهاد للترجمة لما أخلص للشعر لأن للشعر مملكة تفرض على من ينتمي اليها ألا يخلص إلا لها وحدها وهذا ما فهمه جهاد وأدركه فألقى تحيته لجلالة الشعر منفيا إلى مملكة الترجمة بإرادة واثقة بأن التميز لا يكون تميزا اذا تشتت في اكثر من مجال.

المثابرون

ولو افترضنا عكس ذلك فإن الحظ عند ذاك يكون قد لعب لعبته وهو ما لم يكن دوما حليفا لجهاد، ولعلي اذ أخالف حسن ناظم في ان مثقفي الخارج ( المثابرين) هكذا يصفهم قد أصبحوا (حصصاً للغرباء، وان لا داعي لجردة بأسمائهم، فهم لامعون. يعرفهم المثقفون العراقيون داخل العراق من غير أصحاب القرار، ولا يعرفهم أصحاب القرار، لأن صلتهم بالثقافة العراقية الأصيلة أوهن من بيت العنكبوت) فإني اقول ان للداخل أثرا مهما في أن يكون جهاد حصة عراقية بامتياز لا حصة غربية او
عربية.
فعمر الثقافة أطول من عمر السياسة، وحدودها أوسع من حدود الأوطان، ومن تميز ثقافيا فلن يكون لتميزه زمان أو مكان لأنه حينذاك سيمتلك جوازا يخرجه من حدود المعتاد إلى حدود اللامعتاد وستكون له حظوة لا توصف في هزالها ببيت العنكبوت بل ستوصف في قوتها بأعتى التشبيهات الصلدة وأقواها فقد تكون كمَثلِ صلادة الصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ أو كمثل الصم
الصياخيد .
وحسن ناظم المترجم والناقد وباعتزاز منقطع النظير لا يقل في قوة ترجماته ورصانتها عن كاظم جهاد، بل هما معا حصة عراقية وعالمية في زمن تعولم ومكان تأمرك وفي ظل ثقافة تعولمت بمشيئة قادر مقتدر الى ان يقضي بأمر كان مفعولا .

 

 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

Newsletter

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي