عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي
عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي

د. أنور غني الموسوي

المقالات 21 أغسطس 2015 0 122
د. أنور غني الموسوي
+ = -

ينقل عن البريطاني الفيزياوي ستيفن هوكينغ قوله ان أعظم عدو للمعرفة ليس الجهل بل توهم المعرفة (1). وهذا كلام صحيح الا ان هذا المحذّر نفسه سقط فيما حذّر منه، فبعد ان عُرف عنه اقراره بوجود خالق للكون، كما في كتابه تاريخ موجز للزمن (1988) وفيه ان فكرة الإله الخالق لا تتعارض مع الفهم العلمي للكو. (2)، فانه في كتاب له اخير عنوانه (التصميم العظيم 2010) يقول: إن الفيزياء الحديثة لا تترك مجالا للإيمان بأي خالق للكون. (3) . والغريب انه يدعي الدليل العلمي لفكرته الجديد مع انه لم يأت بجديد يذكر في هذه الفترة بين الكتابين (3)، فالامور التي يتحدث عنها في انكار الخالق كانت موجود وتحدث عنها عند اقراره بوجود الخالق، فاين هو الدليل الذي دفعه للانكار؟ ولقد اورد مجموعة امور قال انها تفيد بامكانية ان يوجد الكون نفسه، لكن هذه الامور كلها مع انها غير مفيدة ولا تدل على مراده فانها ليست جديدة كما اشار الكثيرون كتعدد الاكوان ونظرية الاوتار ونسختها المطورة (نظرية ام) والتي لا يعرف الى ماذا يشير الحرف ام (3) .

ان لدى من يتوهم المعرفة فكرة توهمية عظيمة الخطأ هي ان الدين يعارض العلم، وهذا شيء لا اصل لها اصلا (4) لا من حيث الطرق ولا من حيث النهايات، فمع ان الدين يعتمد الايمان فانه ايضا قال بالاسباب وحث على العلم وتفسير الامور واعطى للعقل والتحليل مكانته، بل ان الحجة الدينية هي حجة عقلائية، وليس في الدين حجة تعارض العقل حتى انه قد اشتهر ان الشرع لا يخالف العقل وان ما يحكم به العقل يحكم به الشرع . فمن حيث الطرق والادلة لتحصيل المعرفة الدين يعتمد الاحتجاج العقلي ومن حيث النهايات المعرفية والاحكام فان الدين يحكم بالعرفيات وما تميل له النفس الانسانية من صفات حميدة ويحكم به العقل البشري واعتماده الاسباب والتحليل، فاين التعارض؟

وهناك توهم اخر في تحصيل المعرفة وهو اعتقاد ان العقل يعني العلم وهذا ليس خاطئ فقط بل وساذج، لاننا نعلم قطعا ان هناك امورا يدركها العقل لكن لا تفسر علميا، كما ان هناك امورا يقطع العقل بانه ليس بامكانه ادراكها . من هنا يكون واضحا ان التعالم او الساينتزم (scientism) بادعاء التفسير العلمي الشامل للكون والحياة والانسان ليس فقط توهما للمعرفة بل انه يحطّ من شأن العقل البشري والوجدان الانساني كما انه يفشل كثيرا في تلبية المتطلبات الروحية والاخلاقية للانسان ( 3،4) .

و ايضا ان هناك توهما واضحا ومكتسبا هو التعميم اللاعلمي الخلط بين النص الديني وفهم بعض المتدينين، وخصوصا من يقدمون على انهم الواجهة الرسمية للدين او انهم هم من يمثلون الدين . فينظر من يعايش المسيحية بان ما يطرحه رجال الدين المسيحيون هو الدين والعلم الذي عند كل الناس، وهكذا في الطوائف، والامر ليس كذلك فهناك فهما متابينا بل وخاطئا عند من يتصدون للمعارف الدينية (4) .ان التعميم اللاعلمي يشير وبكل وضوح الى قصور منهجي في تناول الفكر اللاديني للواقع الديني والمتدينين .

ان أي متتبع غيرمتحيّز سيجد وبسهولة ان المعايير والمقاييس الاحتجاجية التي وضعها المختصون بالعلوم الدينية لا تختلف ابدا عما يعمل به غير المتدينين، كما ان فيها ما هو اكثر علمية وثباتا ودقة في الامور الفكرية . وبالقدر الذي يكون فيه فهم نسبي للمتشرعة لنص فان هناك ثبوت نسبي للحقيقة العلمية . بمعنى آخر انه لا ثبوت مطلق الا للخطاب الالهي الواقعي، وانما يتوصل العقل المتشرعي الى الفهم النسبي من باب العذر والاقرار بالمحدودية . لذلك فانه لا سلطة ولا قدسية للفهم المتشرعي للنص مهما كان، وانما يكون الاتباع والمماشاة من باب العذر وانسداد باب العلم بالواقع . وهذا شيء يتوهم العقل اللاديني خلافه بتوهم ان الفهم المتشرعية يعطى صفة قدسية كما هي للنص الواقعي (4) .

ان النسبية في المعرفة العلمية القائمة على التجريب والشعور العميق بالمحدودية العلمية والعقلية يقابله ايضا نسبية في الفهم المتشرعي والمتديني للنص، قائم على باب العذر وانسداد باب العلم بالواقع، وشعور عميق بالقصور عن ادراك الواقع، لذلك تعددت الاجتهادات الدينية كما تعددت النظريات العلمية، وكما تتغير المعارف العلمية فان الاجتهادات الدينية تتغير. وبالقدر الذ تنفى القدسية عن الفهم المتشرعي للنص فانه يجب نفسي القدسية عن المعرفة العلمية وعدم محاربة الدين كله والنص الالهي باسم العلم انطلاقا من تلك الشمولية والراديكالية التقديسية للمعارف التي نعلم جميعا انها نسبية، بل يعلم المختصون بالعلوم الطبيعية ان اكثر المعارف نسبية وتغيرا هي المعارف الرياضية والفيزيائية، فيكيف يصح معارضة النص الالهي وتخطئه بنظرية وتجريب ومعرفة نسبية . ان من الخطا الاحتجاجي الكبير معارضة معارف ثابتة والتي يمثلها النص الالهي المنقول بشكل صحيح بمعارف نسبي نعلم جميعا انها ستتغير اجلا ام عاجلا .

ان اهم اعتمادات الفهم الديني للنص الالهي وللعالم والحياة هو من خلال سيرة العقلاء وخبرتهم ووجدانهم كما هو مسطور في كتب اصول الفقه . ومن الواضح ان سيرة العقلاء لا تكون الا اعتمادا على التجربة والتحليل، لان كيان الانسان قائم على ذلك، لذلك فان الحقيقة الدينية المنقولة بشكل صحيح غير محرف لا يمكن ان تتعارض مع الحقائق الكونية والعلمية الصحيحة الثابتة، بل ان كل معرفة علمية صحيحة وحقة هي اثبات للمعارف الدينية .و ان المعرفة العلمية الصحيحة الثابتة غير المتوهمة لا يمكن ان تعارض واقع النص الديني . من هنا يكون من المفيد ادراك التكامل الدينيعلمي بدل التناحر المتوهم واضفاء القدسية العلمانية على التجريب النسبي وجعل العلم في مضادة مع الدين . ان مصطلح العلمانية في ذاته توهم، لانه يستعمل في مضادة الدين، وفي الواقع هناك توافق وتكامل دينيعلمي وليس تضادا كما يصوره التوهم المعرفي .

د. أنور عبد الغني

……………………..

1-      http://www.alriyadh.com/913704

2-      http://bh-truth.blogspot.com/2011/09/blog-post_2829.html

3-      http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-5752.htm

4-      http://www.farhang.gov.ir/ar/cultural/cultural5


شاركنا الخبر
احدث الاضافات
آخر الأخبار