التطور المتسارع والمهم الذي تحقق خلال الفترة الماضية في العلاقات العراقية السعودية، والذي تمثل بزيارة رئيس الوزراء حيدر العبادي ثم وزير الداخلية قاسم الاعرجي الى الرياض بما نجم عن ذلك من اتفاقات وتعهدات بالعمل المشترك في مختلف الاصعدة بين البلدين، يمثل اختراقاً كبير الأهمية لحالة الجمود او للعلاقات الباردة بين البلدين منذ 2003 رغم الاطاحة بنظام صدام آنذاك والذي كان احد اهم الاسباب الرئيسة المعرقلة لتحسين تلك العلاقات واعادتها الى وضعها الطبيعي.لقد اتسمت هذه العلاقات خلال تلك الفترة بالبرود والتشنج واستمرار غياب التمثيل الدبلوماسي السعودي في بغداد، لكنها بدأت تشهد، مع تشكيل الدكتور العبادي لحكومته في ايلول 2014 ، تطوراً ملحوظاً بابداء العراق ورئيس حكومته هذه الرغبة برغبة مماثلة الى حد كبير وبدأ الحديث بالاستعداد لفتح سفارة سعودية في بغداد وتعيين سفير لها . ورغم تعثر تحقيق هذا الهدف في الوقت المناسب، فقد جاءت زيارة الدكتور فؤاد معصوم الى الرياض بعد اختياره رئيساً للجمهورية ، ثم زيارة رئيس البرلمان الدكتور سليم الجبوري الى الرياض بعدها واجتماعهما بالعاهل السعودي لتساعدا في ترطيب الاجواء بين البلدين وتحقيق تقدم نسبي في العلاقات لكنهما لم تساعدا في الانتقال بها الى مرحلة متقدمة تشكل اختراقاً لحالة الجمود والتوتر أحياناً في الفترة التي سبقت حكومة العبادي . وكتعبير عن رغبة الرياض في تحسين العلاقات مع العراق وجه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز دعوة رسمية الى رئيس الوزراء العبادي لزيارة المملكة، والتي قبلها شاكراً تاركاً تاريخ تحقيقها الى وقت لاحق مناسب . ومع استمرار الاجواء الايجابية وفتح مقر السفارة السعودية في بغداد وتعيين سفير لها ، وبعد مرور اكثر من عام على توجيه الدعوة الرسمية لزيارة المملكة ، حسم رئيس الوزراء العبادي مع بداية العام الحالي موضوع الزيارة ، دون ان يؤثر في ذلك قضية السفير السبهان والطلب الى الرياض استبداله باعتباره غير مرغوب به . وقد تم الاعداد لزيارة العبادي بارسال القيادة السعودية لوزير خارجيتها عادل جبير الى بغداد في 25 شباط الماضي للتحضير لزيارة العبادي وجدول اعمالها ، والذي وضعت النقاط على حروفه باللقاء الأول الذي تم بين رئيس الوزراء العبادي والعاهل السعودي في نهاية آذار الماضي على هامش القمة العربية التي عقدت آنذاك في عمان . وخلال يومي 19و20 حزيران الماضي قام الدكتور العبادي بزيارته التاريخية الموعودة الى الرياض حيث اجرى محادثات مطولة ومثمرة ، كما اشارت لذلك الجهات المعنية في الجانبين ، مع العاهل السعودي الملك سلمان وولي العهد وكذلك مع ولي ولي العهد محمد بن سلمان وعدد آخر من كبار المسؤولين ، في حين ضم الوفد العراقي ، فضلاً عن رئيس الوزراء ، خمسة وزراء وعدد من كبار المختصين بمختلف الشؤون الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتجارية والنقل . وفي ختام الاجتماعات واللقاء صدر بيان مشترك يوم 20 حزيران ركز على اتفاق الجانبين العراقي والسعودي على مكافحة التطرف ومحاربة الارهاب ولاسيما داعش وكذلك نبذ روح الكراهية والعنف والتمييز الطائفي والتأجيج المذهبي ، وقد اعلن الجانبان في البلدين على انهما حققا (نقلة نوعية) للعلاقات بينهما . وكان الموضوع المهم اللافت في البيان هو اتفاق الجانبين على تشكيل (مجلس تنسيقي سعودي عراقي) بهدف تعزيز التعاون السياسي والأمني والاقتصادي للارتقاء بالعلاقات بينهما الى المستوى الستراتيجي ولفتح آفاق جديدة على كل المستويات وتنشيط الشراكة بين القطاعين الخاص والعام . وقد أعقب زيارة العبادي قيام وزير الداخلية بزيارة عمل ثانية الى الرياض، حيث استقبل بترحيب لافت واستعداد لمناقشة القضايا الامنية والسياسية وقضايا الحدود وشؤون الحجاج والمعتمرين والزوار وتأكيداً على ذلك عبر الأعرجي في أحد لقاءاته بالاعلاميين ببغداد عن قناعته بالرغبة الجادة للسعوديين لفتح صفحة جديدة من العلاقات الأخوية بين البلدين والشعبين وأشار بصراحة الى ان المسؤولين السعوديين أبلغوه بضرورة الاتصال والحوار المباشر بين مسؤولي البلدين بعيداً عن الوسطاء الذين لا ينقلون الحقيقة ، بل يعملون على تشويهها . وبهدف الحفاظ على زخم ووتيرة ما تحقق من تطوير وتعزيز للعلاقات بين العراق والسعودية قرر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 25 تموز الماضي تشكيل لجنة برئاسة وزير الداخلية قاسم الاعرجي وعضوية اربعة وزراء وعدد كبير من المختصين ورئيس هيئة الاستثمار ، تتولى متابعة المحادثات مع الجهات المعنية في السعودية لتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية في المجالات التجارية والزراعية والصناعية في القطاعين العام والخاص . كذلك قرر في الوقت نفسه (تخويل رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار صلاحية التفاوض والتوقيع على مشروع اتفاقية تشجيع وحماية الاستثماريين في البلدين) . وفي الواقع فأن ما حققه هذا الاختراق المهم في العلاقات العراقية السعودية ودور رئيس الوزراء العبادي ووزير الداخلية قاسم الاعرجي في انجازه والسعي للأنتقال به الى مراحل ستراتيجية اعلى وأبعد ، أنما يشير الى أهمية هذا المنجز للبلدين العراق والسعودية وشعبيهما وذلك بالرغم من بعض الظروف السيئة المعيقة والتي أشار اليها رئيس الوزراء بقوله لقد جاءت هذه الزيارة للرياض وسط محاولات لعرقلة التقارب مع السعودية وبلدان الاقليم .. وبالطبع فان نجاح هذه الزيارة في توطيد وتعزيز التقارب بالاختراق المهم الذي تحقق في العلاقات بين العراق والسعودية، قد أحبط محاولات العرقلة وافشل المساعي غير المجدية لأصحابها!.
عبد الحليم الرهيمي






