بعد حوار يائس في أحوال السياسة تساءل ضيف صديق : ما الأجدى؛ الحرية أم الأمان والسلام؟ كان سؤاله ينطوي ضمناً على إجابة، فقد كان يريد التأكيد على أهمية أمن الفرد والمجتمع حين يكون الأمن مهدداً وعلى أسبقية السلام على الحرية حتى إنه وضع هذه الخلاصة بجملة واضحة تماماً في نتيجتها حينما عاد ليقول: الحكم بالسجن على بريء يظل، حتى مع ظلمه،أفضل من الحكم عليه بالإعدام. وهذا نمطٌ من التخيير القسري الذي يكون فيه المرء مضطراً إلى التنازل عن أحد خياري (الحرية والسلام)، وهما في حقيقتهما خيار واحد. ما الحرية إن لم تكن سلاماً؟ وما السلام ما لم يكن حرية؟ سيكون من المستحيل الفصل بين الخيارين (السلام والحرية)؛ التنازل عن أحدهما لا يفضي إلى الحصول على الخيار الآخر. بينما يمكننا التساؤل أيضاً: ولماذا التخيير بين الحالين؟ الحرية مبدأ أساس ضامن للسلام. المجتمعات غير الحرة تختزن في أعماقها طاقات للعنف يمكن أن تكون كامنة، سواء من قبل المجتمع نفسه ضد بعضه أم من قبل السلطات النافذة فيه.ضد المجتمع. والحرية هي الوسيلة الأمثل لبلوغ حال السلام والانسجام ما بين المجتمع نفسه وما بينه وبين سلطاته. لكن لا يمكن بلوغ الحرية من دون السلام. ما لم تكن الحريات تعمل في بيئة سلامٍ وأمانٍ حقيقيين فإنها تظل أشكالا شاحبة للحرية، وحتى زائفة، وهي تقدم عروضها المشوَّهة والمشوِّهة للحرية ذاتها. من الصحيح أننا في الظروف التي يكون فيها السلام مهدداً نقبل بالتنازل عن جوانب من حرياتنا، وهي تنازلات قد تكون مشتركة أحيانا ومتواطأً عليها بين الأفراد والمجتمع نفسه وبينه وبين سلطاته، لكنها تظل تنازلات تحمل فرص الارتداد عن الحرية وتنميها، وتزداد إمكانية هذه الفرص على الطغيان وذلك كلما كانت الحرية غير راسخة كقيم نافذة في الثقافة والسلوك الاجتماعيين وكلما كانت التشريعات الساندة لها هشة وقابلة للنكوص والارتداد. السلام نفسه من غير الممكن بلوغه من دون قاعدة رصينة للإيمان بالحرية. أي نظر مشوش للحرية، وأي إرادة للتقييد، حين تكون نافذة وطاغية، فإنها مشروع للعنف، سواء أكان هذا العنف ظاهراً أم مستتراً ومؤجلاً. هكذا يمكن فهم الأشكال المشوهة للسلام الذي يبدو ظاهراً وسائداً في المجتمعات المحكومة من قبل الدكتاتوريات؛ إنه سكون قسري يظل ينتظر فرصه للانفجار وانطلاق الشرور كلها من صندوق باندورا حالما ترتخي القبضة الحديدية للدكتاتورية المتحكمة بغطاء الصندوق، وما أكثر الأمثلة القريبة منا في هذا المجال. لا يمكن الفصل بين حالي السلام والحرية. السلام هو فرصة الجميع في التمتع بالحرية بينما الحرية هي في الاطمئنان التام على السلام، السلام مع العالم ومع الذات.
عبد الزهرة زكي





