الانتصارات الرائعة التي حققها أبناء العراق على الارهاب أنهت أزمات الفتن التي راهن صنّاعها على تمزيق النسيج المجتمعي العراقي وتعويق مسيرة بناء الدولة الحديثة، وهي اليوم تمنحنا فرصة للشروع باستراتيجية بناء الثقة بين الشارع وكيان الدولة الذي انتصر فيه صوت الوحدة الوطنية على دعات التقسيم. وبالتالي فان المحبين لهذا البلد مطالبين في هذا الوقت تحديدا أن يكونوا بمستوى التضحيات التي قدمها أبناء هذا الشعب لانهاء منهج صناعة الأزمات الداخلية التي يجيد انتاجها من يريد تحويل مجرى الأحداث لصالحه على حساب البلاد والعباد. وهنا لا ينبغي نكران دور الارادات الخارجية في صناعة الأزمات المتعاقبة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية ، الا اننا اليوم نشهد دوران بوصلة الأحداث والأزمات باتجاه تلك البلدان في وقت يزداد فيه الدعم الخارجي للعراق، ما يشير الى امكانية معالجة مصانع الازمات الداخلية داخل كيانات الاحزاب والقوى التي اعتادت انتاج هذا النوع من الأسلحة السياسية التي ألحقت الضرر بالبلاد وساهمت في تعويق مسيرة البناء . اليوم ونحن ننعم بالنصر وباعادة الثقة في أداء الدولة بفضل تضحيات أبناء هذا البلد نحتاج للشجاعة والوضوح في مواجهة المشاكل التي تصنع منها الأزمات والتي تتخذ منها وسائل الاعلام خامة لاعداد برامجها على حساب الأولويات التي تواجه عملية النهوض بالبلاد من كبوة المرحلة الانتقالية، وفي مقدمة هذه الأولويات محاربة الفساد الذي كان الحاضنة الحقيقية للارهاب والفتن بامتياز .اذ ان السكوت وترك الحبل على الغارب للقوى التي اعتادت أن تعتاش على الازمات يعد بحق خيانة لدماء أبناء هذا البلد، فما عاد في الوقت متسع بعد أربعة عشر عاما من الهدر في الأموال العامة والتدمير في البنية التحتية وضياع وقت العمل لتكون اشكالية هنا واشكالية هناك خامات لأزمات جديدة والجميع يدعي انه يبحث عن دولة المؤسسات التي يحكمها القانون والدستور. فهل سنكون قادرين على عزل الخلافات والمشاكل عن مسار دوران عجلة الحياة ومواجهة صناع الأزمات بالقانون دون الخوض في فعاليات ما وراء الكواليس على حساب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ الأمر وعلى ما يبدو ممكننا اذا ما اتخذنا من المصلحة العليا معيارا لتقييم المشاكل وفق الأطر القانونية حتى لا تكون اشكالية “اجراء الانتخابات في موعدها” مثلا، عليقة تجترها وسائل الاعلام وتحوم حولها التناقضات بين من يريد تأجيلها ومن يطالب باجرائها في موعدها، اذ ان هذا الأمر سيجعل الرأي العام هدفا للترهات والتأويلات ويدفع بهذا أو ذاك نحو تبني هذا الرأي أو نقيضه تحت ظلال عباءة الانتماءات بهدف التجييش لصالح هذا الكيان السياسي او ذاك على حساب اللحمة الوطنية التي سكبت الدماء من أجل تماسكها. اذن نحن نحتاج لقرار يستند على القانون والدستور ويقطع دابر التناقض، والأمر ينطبق على أشكالية النواب الكرد الخمسة عشر الذين شاركوا باستفتاء الاقليم وأدلوا بتصريحات تمس بوحدة البلاد ، اذ ان هؤلاء سبق وأن أدوا اليمين للمحافظة على وحدة البلاد وليس أمامنا الا القانون والحكم القضائي لاعادة هيبة الدولة وتعزيز وحدة البلاد وقطع الطريق على المتقولين في وسائل الاعلام الذين يساهمون في صناعة الأزمات ، والأمر ينسحب على ما يقال بشأن سفر رئيس البرلمان الى الولايات المتحدة دون علم البرلمان بحسب تصريحات البعض من النواب. ان سلسلة الاشكاليات والتجاذبات في المشهد السياسي، تعد أمرا طبيعيا في عموم التجارب الديمقراطية في العالم ، الا ان الغير طبيعي أن تكون هذه الاشكاليات خامات لصناعة الأزمات تحت مرآى ومسمع الجهات القانونية والتنفيذية والأكثر تشوها للصورة الطبيعية أن تكون المصالح الفئوية والشخصية فوق المصلحة الوطنية وكأن البلاد مجيرة لصالح من يجيد صناعة الأزمات.

محمد شريف أبو ميسم




