عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي
عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي

إلى المسؤولين فقط بقلم: حسين الصدر

المقالات 29 سبتمبر 2015 0 104
إلى المسؤولين فقط بقلم: حسين الصدر
+ = -

 – 1 –
كاتب هذه السطور ممن يكثر من القراءة في كتب السيَر والتراجم قديما وحديثا، بحثاً عن الحكمة السديدة، والكلمة المفيدة، والتجربة النافعة، والموقف الرصين، والتجسيد العملي للمثل والقيم الرفيعة.
إنَ هناك كنوزاً ثمينة مخبأة في ثنايا الحديث عن رجالٍ لم تستعبدهم المطامع ولم تزحزحهم المناصب والمواقع عن الثبات على مبادئهم، بعيداً عن الانحياز للعواطف، ودون أنْ تؤثر فيهم الضغوط المنصبة عليهم من أقرب الناس اليهم. ان هذه النصوص المتوهجة، لا بد أنْ تترك بصماتها في النفس، ويمكن أنْ تكون الباعث على إثراء السلوك بالومضات المتميزة .
قال الشاعر:
كتابٌ أُطالِعُهُ مُؤْنِسٌأَحبُّ اليَّ من الآنسهْ
وأَدْرسُهُ فيريني القرونحُضُوراً وأَعْظُمهم دارسِهْ

– 2 –

لقد ترجم (ابن الجوزي) في كتابه (صفة الصفوة) ج1 ص258-259 رجلاً من الذين وَلاّهم (ابو عبيدة) عامر بن الجراح قبل وفاته، وأبقاه (الفاروق) على تلك الولاية بعده:
انّه (عياض بن غنم بن زهير) وقد ولي «نصف الشام» على ما جاء في الترجمة.

– 3 –

«لما ولي عياض بن غنم قدم عليه نفرٌ من أهل بيته يطلبون صلته
فَلقِيَهمُ بالبشر وأنزلهم وأكرمهم،
فأقاموا أياماً، ثم كلّموه في الصلة، وأخبروه بما لقوا من المشقة في السفر رجاء صلته، فأعطى كل رجل منهم عشرة دنانير، وكانوا خمسة فَرَدُّوها وتسخطوا ونالوا منه»
منذ فجر الاسلام وحتى اليوم يتحرك بعض الاقرباء صوب «المسؤول الكبير» الذي تربطهم به رابطة القرابة، ويأملون أنْ يردفهم بالمال الوفير، والهبات الكبيرة والعطايا الجزيلة. ويحلو لبعضهم أنْ يمنحهم قريبُهم ما يملأ به جيوبَهم حتى اذا كان على حساب الجياع والفقراء
والمستضعفين.
وهم بذلك يشجعونه على الاختلاس وخيانة الأمانة واستغلال المنصب وتقديم الأقرباء على سائر المواطنين الآخرين. وهنا لابُدَّ أنْ ندقق في طريقة تعاطي المسؤول مع مثل هذه الطلبات:
هل يُعيرهم سمعاً ويضرب بالموازين والقوانين عَرْضَ الجدار؟
أم يفصح عن نزاهته وأمانته ويعلن الرفض التام لما يريدونه؟
نعود الآن الى (عياض) لنرى ماذا صنع؟
«أعطى كل رجل منهم عشرة دنانير، وكانوا خمسة فردوها وتسخطوا ونالوا منه فقال: اي بني عم
والله ما أنكر قرابتَكم ولا حقَكم ولا بُعْدَ شقتكم،
ولكن والله ما حصلت الى ما وصلتُكم به إلاّ ببيع ما لا غنى بي عنه فاعذروني.
قالوا: والله ما عذرك الله فانك والي نصف الشام، وتُعطي الرجل منّا ما جهده ان تبلغه الى أهله؟
قال: فتأمروني أسرق مالَ الله؟ فو الله لان أشق بالمنشار أحبّ اليّ من أنْ أخون فلساً أو اتعدى
قالوا: قد عذرناك في ذات يدك، فَوَلِنّا أعمالاً من أعمالك نؤدي ما يؤدي الناس اليك ونصيب من المنفعة ما يصيبون وانت تعرف حالنا، قال: يبلغ (عُمر) أنّي وليتُ نفرأ من قومي فيلومني..»
وهنا نلاحظ:
1 – ان «عياض» لم يستطع ان يصل أقرباءه الاّ بمال شخصي هو ثمن ما باع مما لا يستغني عنه!. وكانت صلته لهم ضئيلة محدودة!. وهذا دليلٌ قاطع على نزاهته وأمانته.
2 – انّ اقرباءه تحولوا من المطالبة بالمال الى المطالبة بتعيينهم في مناصب يختارها لهم، وهنا اعتذر منهم ايضا لئلا يكون مَلُوماً عند رأس الهرم في الدولة. إنّه آثر الامانة على الخيانة.
3 – ولقد عبرّ (عياض) عن نزاهته وامانته بتعبير بليغ حيث انه فضل ان يشق بالمنشار على ان يكتب في الخائنين. وهكذا يجب ان يكون المسؤول.
4 – إنّ (عياض) آثر الصالح لعام على مصالح اقربائه وبني عمومته، ولم يتزحزح عن ثوابته الشرعية قيد انملة، ونجح في الاختبار العملي نجاحاً باهراً .

– 4 –

والتساؤل الآن: أين هم أمثال (عياض) في المنظومة الحالية؟ لماذا اهتموا بتعيين أقربائهم في السفارات العراقية في الخارج وفي مختلف المواقع والمناصب واهملوا المواطنين الآخرين؟ وكيف استطاع أقرباؤهم الحصول على العقود الرسمية دون غيرهم؟ وهل بقي لهم من أقربائهم عاطل واحد؟ ولماذا لم يكترثوا بالآلاف المؤلفة من اصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل؟.
وهكذا تتناسل الاسئلة وتتكاثر دون انقطاع لتشير الى كثافة الفساد المالي والاداري في (العراق الجديد).
والغريب اننا حتى الآن، وبعد الحاح المرجعية الدينية العليا على محاسبة الفاسدين وانتزاع الاموال المنهوبة منهم، وبعد المظاهرات الشعبية الحاشدة في معظم المدن العراقية – لم نر أي رأس من رؤوس الفساد يقف أمام القضاء ليٌحاسب على جريمته؟!!
تُرى ما الذي ينتظره الادعاء العام ليتحرك باتجاه الاستجابة لمطالب المرجعية والجماهير؟!

 

شاركنا الخبر
احدث الاضافات
آخر الأخبار