عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي
عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي

أسرار العانس الرقيقة بقلم: عفاف مطر

المقالات 03 سبتمبر 2015 0 141
أسرار العانس الرقيقة بقلم: عفاف مطر
+ = -

 

من منا لا يعرف الأخوات برونتي؟ إن حكاية الأخوات برونتي في الأدب الانجليزي حكاية غريبة يملؤها الغموض والحزن والألم. هذا ما كان يظنه الجميع، لكن ماورد بعد وفاتهن كان أشد غرابة. السيد برونتي هو رجل أيرلندي قَدم إلى يورشكاير ليصبح رجل دين متعصب بالكنسية الانجليزية في هاورث، ويتزوج من سيدة من كورنوال، تموت بعد عشر سنوات من زواجهما، تاركة له اطفالهما الستة: ماريا، اليزابيث، شارلوت، باتريك، اميلي، آن. وكانت وفاة الأم بداية لسلسة موت سريعة لكل أفراد العائلة، ليبقى الرجل الايرلندي وحيداً كما جاء تماماً، إلا أنه ورث ثروة وفقد بصره.
عندما كانت شارلوت برونتي في الـعشرين من عمرها، أرسلت مختارات من أشعارها وأشعار أختيها إلى الشاعر الإنكليزي روبرت سوثي، وقالت فيما بعد إنها تلقت هذا الرد، «الأدب لايمكنه أن يصبح من اختصاص امرأة» تجاهلت شارلوت وشقيقتاها اميلي وآن النصيحة، وكتبت اليتيمات الثلاث تحت أسماء رجالية مستعارة، فأصبحت شارلوت «كيوربيل»، وأختها آن «آكتونبيل»، والثالثة اميلي «ايلي سبيل».
أسماءهن المستعارة في العصر الفيكتوري فتحت أمامهن الباب ومنحت أعمالهن فرصةً للقراءة. لكن لم تلق أيّاً من الأخيرتين ما لاقته شارلوت، العانس الرقيقة، ولم تتهم أيّاً منهن بجريمة قتل. وهي مهمة تولاها الكاتب البريطاني «جيمس توللي» الذي ما أنفك يحط من شأن الأدباء والفنانين، مثلت شارلز ديكنز المرابي والشرس وشارلي شابلن العاشق العدواني، وبيكاسو معذب قلوب
عاشقاته.
ولننظر إلى سذاجة الأسباب التي يحاول بها إقناع القارئ أن شارلوت ما هي إلا امرأة أنانية وجشعة، ووجهها الملائكي ما هو إلا قناع، بل انه وسيلتها الوحيدة التي أبقت الستار منسدلاً على جرائمها، جرائمها التي تتلخص في قتل أختيها إيميلي وآن وأخوها باتريك. فشارلوت هي الناجية الوحيدة من السل، فاذا كان قد أصاب شقيقها وشقيقيتها مرض السل وحمى البرد او الربو،وكلها أمراض معدية، فلماذا لم تطلها أي ذرات من العدوى؟ مع العلم ان المدة الزمنية بين موت باتريك وإيميلي هي مايقارب أربعة أشهر، وبين إيميلي وآن هي عشرة أشهر. إيميلي سارت حافية فوق الثلوج في الطريق نحو المقبرة لدفن شقيقها، وكان هذا سبباً مقنعا أن تصاب في السل المتفشي على امتداد العصر الفكتوري بانجلترا، وأما مدة عشرة أشهر بين وفاة إيميلي وآن فهي طويلة بالنسبة للمصابين بعدوى السل. إذن لم يكن الموضوع موضوع عدوى، وإنما كان استعداداً في هذه العائلة للإصابة بهذا المرض، والدليل وفاة الفتاتين الصغيرتين ماري واليزابيث اللتين أصيبتا بهذا المرض وكانت المدة الزمنية بين وفاتهن ستة أسابيع فقط، فهل ياترى قتلت شارلوت التي لم تتجاوز الثماني سنوات، أختيها الأكبر منها بعامين؟ ويمضي» جيمس توللي» في اتهاماته المخيفة، أن السبب في قتل إيميلي هو الغيرة الأدبية! مع العلم أن الشهرة والمجد كانا من نصيب شارلوت وروايتها «جين أير»، ولم تجن إيميلي وروايتها «مرتفعات ويذرنيغ» شيئا إلا بعد وفاتها وهذا مؤرخ ومعروف، والسبب ان «جين إير» كانت صرخة نسائية أدبية رائدة مازال يسمع صداها حتى الآن، شارلوت هي الكاسحة التي فتحت الطريق للأدب النسائي، ولا تغلبها «مرتفعات ويذرينغ» وإن كانت الأخيرة هي الأوسع خيالاً وأقوى درامياً، وذات لغة شعرية موسيقية محترفة، فإيميلي شاعرة بالمقام الأول في حين شارلوت كاتبة. وهنا يأتي السؤال، فإذا كانت الغيرة الأدبية هي التي دفعت بشارلوت لقتل إيميلي، فما الذي دفعها إلى قتل «آن»؟ ، وروايتها «أغنيس جراي» لم تلق حتى نصف اهتمام النقاد والقراء من الروايتين الأخريين، وإن نالت الشهرة ذاتها، فأينما ذكرت «جين اير» و»مرتفعات ويذرنيغ» تذكر مباشرة «أغنيس غراي» بدون أي مجهود. لذا يعلل «جيمس توللي» أن الدافع لقتل آن هو جشع وطمع شارلوت في الأموال التي أخذت تتدفق على الأخوات من الناشرين! ولكن في بيئة تشاركن فيها الحرمان والفقر والقسوة، وتشاركن مائدة المطبخ للكتابة والقراءة في عالمهن المنعزل والموحش المحاط بالمقابر، تشاركن حتى في المدرسة، وفي تأليف الكتب والقصائد سوياً منذ كن أطفالاً، هل فعلاً من الممكن أن تقتل الأخت الكبرى أختيها الصغيرتين لأجل المال الذي اكتسبنه سوياً. ولا يقف «جيمس توللي» عن سرد الجرائم والأدلة، إذ بقيت جريمة قتل باتريك الشقيق الوحيد مدمن المخدرات، نعم إدمانه هذا هو الدافع الذي حفزَّ شارلوت على قتله، فهي باتت من المشاهير ولابدّ من أن تتمتع بالسمعة
الطيبة.
كل هذا في رواية لــــ» جيمس توللي» التي تتناول سيرة العانس الرقيقة شارلوت وأختيها، لكنها كما تبدو لي ليس من وجهة نظر روائي، بل من وجهة نظر سفاح واسع الخيال.

 

شاركنا الخبر
احدث الاضافات
آخر الأخبار