غريب أمر الكراهية في عالم الإنسان الداخلي، هذا العالم المعقد المجبول من ظلمة ونور وتسامح وحقد. أعني عالمنا الذي حير علماء النفس والمفكرين، وضيعهم في غياهبه التي هي غياهبنا، نحن المعقدين، كارهي أهلنا وبيوتنا وأوطاننا، المبررين هذه الكراهية بشتى المبررات. أتذكر أنني صدمت يوما بما قرأت لشاعر «عراقي» معروف. كان قد سأل عن بلده فقال إنه شطب تماما على فكرة العراق والتعامل معه كوطن. عاد الصحفي فسأله:»ولكنه وطن..؟»، فأجاب أنه «وطن ملغى، وليس وطنا كاملا. الوطن القائم لي الآن هو المملكة المتحدة، منذ زمن لم أعد أعتبر العراق وطنا». إذن ما العراق بالنسبة لك يا هذا؟ سئل فأجاب:»مكان ميلادي الذي لم أختره، وأعتبر الأمر مسألة فنية أستفيد منها أثناء عملية الكتابة»، ههويزمو! الأمر نفسه تكرر عشرات المرات مع كثير من المثقفين «الكارهين». كل بطريقة تعبير قد تكون مشابهة أو مختلفة. تنظر لأحدهم مثلا فتراه يتسقط أخبار بلده السيئة ويروج لها، ويغض بصره، بل ربما يتمنى العمى لنفسه، كي لا يرى حدثا جيدا هنا أو هناك. تتركه وتنظر لزميل له، فإذا هو يتمنى الخراب لأهله، ولعله يدعو الله سرا أن يفرغ لمواطنيه ألف عزرائيل وعزرائيل كي يقضي عليهم. تسأله ـ لماذا أنت كاره لنا لهذه الدرجة رغم أنك بعيد عنا، لا يربطك بنا شيء؟ لم لا تتركنا لأنفسنا طالما أنك تزعم شطبك «تماما على فكرة العراق»؟ لماذا تبدو منشغلا بنا كل هذا الانشغال لدرجة أننا لا نبارح عالمك الداخلي المأزوم بألف عقدة وعقدة ؟ تسأل حتى تقع قطعة من لسانك مع انك تعرف بعض الإجابة، وهي أن صاحبنا قد يتعامل مع العراق من منظور طائفي سقيم وبائس، أو من منظور سياسي ضيق وتافه. قد يكون المثقف «الكاره» قوميا متطرفا أو صداميا متخفيا بقبعة حداثية لماعة. لعله ينظر للأمر من زاوية «حب وأحجي وأكره وأحجي»، بدليل أنه قد يقول مثلا إن «العراق اليوم بلد قبيح، يتجسد قبحه في تدني قيمة الإنسان فيه»، وهذا قد يكون صحيحا في حال كان منظوره عامّا لا خاصا بهذه الفترة، وإلّا لماذا لم يقل شيئا مشابها زمن صدام ؟ لماذا كان «ملصوما» حينها مثل أي جبان ومخصي؟ لماذا لم يقل مثلا حين كان الموت رفيقا يوميا للعراقيين أن البكاء خلق «من أجل الجمال، هل يعقل أن نبكي وطنا قبيحا»؟ هل كان عراقك وطنا جميلا يا هذا! أتخادع نفسك أم تخادعنا أيها الساذج؟ كلا ، لا هذا ولا ذاك ، انما هي الكراهية ولا شيء سواها.
26 مشاهدة آخر تحديث : الأربعاء 21 سبتمبر 2016 – 10:19 صباحًا





