حتى مطلع العقد الاخير من القرن العشرين كان العالم موزعاً بين معسكرين غربي رأسمالي وشرقي اشتراكي بينهما كتلة هلامية لا طعم لها ولارائحة ولا هوية تعيش تحت شعار عدم الانحياز. لم يكن المعسكر الشرقي يمارس وجوده من خلال محور واحد وان كان ينضوي تحت ايديولوجية واحدة هي الماركسية. فقد توزعته انظمة شيوعية اربعة هي السوفيتي والصيني والكوبي ثم اليوغسلافي. بانهيار جدار برلين اول تسعينيات القرن الماضي وتفكك الاتحاد السوفياتي انتهى النظام الاول، ثم انقسمت يوغسلافيا على نفسها الى مجموعة دول تخللتها حروب دامية في قلب اوروبا، وانكفأ النظام الكوبي على انموذج بائس يتطلع لانقاذ نفسه من خلال علاقة وثيقة مع الغرب، وبقي النظام الصيني ولا يزال يتقدم ويحقق مكاسب كبيرة على كل الصعد تقريبا . المؤتمر العام للحزب الشيوعي الصيني الذي يعقد مرة كل خمس سنوات يواصل اعماله اليوم وسط ارقام تفيد بان حجم الاقتصاد الصيني هو الثاني بعد الاميركي، وان معدلات النمو هي الاعلى في هذا الاقتصاد الذي يتوقع له المراقبون الاميركان ان يتقدم على الاقتصاد الاميركي في غضون ثلاثين سنة فقط ليكون الاقتصاد الاول في العالم، مضافا الى ان الصين اليوم فيها اكبر خزين من الدولار بعد اميركا. الاسئلة : لماذا بقي النظام الشيوعي الصيني متماسكا رغم انهيار او فشل بقية الانظمة الشيوعية؟ كيف حققت الصين هذا الانغماس كله في اقتصاد السوق في ظل ايديولوجية النظام الشيوعي وماركسية الدولة؟ ولماذا لم تتهرأ البنية الاجتماعية ولم تتفكك الشخصية الصينية تحت عجلة التقدم الاقتصادي الهائل؟ هكذا الى عشرات الاسئلة، هذا برغم ان الصين لمن لا يدري تخطت عتبة المليار وستمائة مليون انسان، وهي موزعة بين خمس مناطق كبرى وانساق ثقافية متعددة، والاهم انها تحوي ما يزيد على الخمسين اثنية وقومية ! البعض يختصر الاجابة بـ “العصرنات الاربع” ويعزو نجاحها الى ستراتيجية التقدم في الصناعة والزراعة والعلوم والتكنولوجيا وفي الدفاع، هذه الستراتيجية التي بدأت سنة 1978م ولا تزال مستمرة، لكنها نظرة ميكانيكية عجلى، فضلا عن انها لا تعطينا تفسيرا لسر نجاح هذه العصرنات الاربع ولا تحدثنا عن مقدماتها حين تكون هي النتيجة . للصينيين رأي اخر ذهبوا فيه الى ان حل المعضل الثقافي سبق ستراتيجية العصرنات الاربع ومهد لها، عبر بناء مركب خاص للاصالة والمعاصرة استقرت فيه المعادلة على ان يكون التقدم صوب المستقبل انطلاقا من الماضي، كما ينص الباحث الصيني “ووبن” في جزأي كتابه ” الصينيون المعاصرون” . ولنا اليه عودة .
جواد علي كسار






