
قال مسؤولون اميركيون لمجلة «ديلي بيست» أن تقريراً جديداً اعدته المخابرات الأميركية بتفويض من البيت الأبيض قد تنبأ بأن التنظيم الذي اعلن عن نفسه «دولة اسلامية» سوف يستمر بالانتشار والتوسع والتنامي عددياً ما لم تلحق به خسائر جسيمة في رقعة الأرض التي يحتلها في العراق وسوريا.
هذا التقرير، كما يقول المسؤولون، يتنافى مع كل التطمينات السابقة التي صدرت عن البيت الابيض والتي اكدت بأن «داعش» قد «تم احتواؤها» في العراق وسوريا. كذلك يدعو التقرير الولايات المتحدة الى احداث تغييرات في كيفية تعاملها مع هذا التنظيم.ينطوي التقرير المشار اليه على اقرار ضمني بأن قدرات «داعش» على التوسع واجتذاب اتباع جدد قد تخطت حتى الآن كل جهود التحالف – من القاء الوف القنابل ونشر 3500 جندي اميركي بالاضافة الى المدربين الآخرين التابعين لاطراف في التحالف – رغم نجاح حملة التحالف الجوية المستمرة منذ عام في مساعدة القوات المحلية على طرد «داعش» من بعض الاجزاء التي يحتلها في العراق وسوريا.
التقرير وهجمات باريس
تحدث ثلاثة مسؤولين رفيعي المستوى في البيت الابيض، مشترطين عدم الاعلان عن اسمائهم، عن أن البيت الأبيض قد فوض باعداد تقرير المخابرات السري المذكور قبل وقوع هجمات باريس القاتلة في الشهر الماضي، وقبل وقت طويل من وقوع الهجوم الارهابي في مدينة سان برناردينو بولاية كاليفورنيا في الاسبوع الماضي. كذلك صدر التفويض بالعمل في التقرير قبل اعلان اوباما بأن «داعش» في العراق وسوريا «تم احتواؤها»، قبل يوم واحد من هجمات باريس، ولكنه لم يسلم الى البيت الابيض إلا بعد وقوع تلك الهجمات بأسابيع.
بعد ان راجع الرئيس باراك اوباما الاستنتاجات القاتمة التي تضمنها التقرير طلب من وزير الدفاع «آش كارتر» وقائد الاركان المشتركة الجنرال «جوزيف دانفورد» أن يطرحا خيارات جديدة لهزيمة هذه الجماعة وردها على اعقابها.
خلية الاستهداف
العمل جارٍ على تصعيد الحملة الحالية ضد الارهاب بالاعتماد على الترسانة نفسها التي سبق ان استخدمت في الحرب الشاملة ضد تنظيم القاعدة والتي تدخل فيها الطائرات المسيّرة ومداهمات القوات الخاصة وقوات المتعاونين المحليين. ويأتي تشكيل ما يسمى «خلية استهداف من القوات الخاصة» التي اعلن عنها كارتر في الاسبوع الماضي كواحدة من التوصيات المشار اليها. هذا الفريق، المؤلف من نحو 200 عنصر، سوف يوكل اليه تنفيذ عمليات مداهمة داخل العراق وسوريا بالاضافة الى تنسيق الضربات من خلال العمل مع فريق آخر مؤلف من 50 عنصرا سوف يرسل للعمل من داخل الشمال السوري بالتعاون مع عصب ما يعرف بـ «التحالف العربي السوري» المؤيد للولايات المتحدة.
كذلك علمت «ديلي بيست، أن قيادات الدفاع قد اناطت بقيادة العمليات الخاصة التابعة للجيش الاميركي مهمة استضافة تجمع فكري من الباحثين والمحللين التابعين للوكالات المختلفة: العسكرية والدبلوماسية والمخابراتية، للخروج بخيارات اخرى.
تصعيد الحملة
مساء يوم الأحد الماضي تحدث الرئيس اوباما مع الأمة من مكتبه البيضاوي عن خطر الارهاب في خطاب نادر اشار فيه باقتضاب الى تصعيد الحملة ولكن دون اعلان جديد عن التوسع فيها.قال أوباما في خطابه: «في العراق وسوريا تعمل الضربات الجوية على تصفية قيادات داعش .. والى كلا البلدين ارسلنا قوات العمليات الخاصة القادرة على رفع وتائر ذلك الهجوم. اننا الآن في طور تصعيد جهودنا منذ هجمات باريس.»تقرير المخابرات المذكور، المؤلف من نحو ثماني صفحات والذي دفع الى اجراء تغييرات في السياسة الراهنة، اعده فريق محللين من وكالة المخابرات المركزية ووكالة مخابرات الدفاع ووكالة الأمن القومي ووكالات اخرى قدمت تقاريرها جميعاً الى مدير جهاز المخابرات القومي.
لا جديد في التقرير
يقول احد المسؤولين: «تقرير المخابرات هذا لم يأتنا بجديد. كل ما احتواه هو الكثير من الخرائط واللوحات البيانية التي تظهر بلداناً مؤشرة في مختلف ارجاء العالم، بعضها فيه جماعات اعلنت ولاءها لتنظيم داعش وبعضها الآخر لديه ميول بهذا الاتجاه.»
يستعرض التقرير اوضاع جماعات ارهابية لديها تطلعات لإقامة خلافة اسلامية متطرفة وعندها منذ الآن شبكة قائمة من الجماعات في عشرة بلدان او اكثر وهي قد اعلنت الولاء أو متطلعة الى الانتماء. وقد اكد مدير وكالة الأمن القومي أن وكالته هي التي اصدرت ذلك التقرير ولكنه لم يعلق على ذلك.كذلك لم يصدر عن البيت الأبيض أو البنتاغون اي تعليق بصدد تقرير المخابرات المذكور ولا تأكيد بأن طلباً قد وجه الى قيادة العمليات الخاصة التابعة للجيش الاميركي باستضافة تجمع للوكالات الحكومية من اجل مناقشة المشكلة. بيد أن الطرفين اشارا الى أن قيادة العمليات المذكورة مكلفة حالياً بالفعل بمهمة تعقب المسار والتخطيط لإبداء رد فعل من جانب الجيش ازاء التهديدات التي تواجهها نشاطات مكافحة الارهاب.
العمليات الخاصة
صرح المتحدث باسم البنتاغون النقيب البحري «جيف ديفز» يوم الاحد الماضي قائلا: «تلعب قيادة العمليات الخاصة دوراً مهماً في التحليلات الحساسة المتعلقة بالتهديدات العابرة للمناطق، حيث تقدم تقييماتها وفق منظورات تتخطى الفواصل الجغرافية ما بين القيادات والقوى.» ويقول اثنان من المسؤولين الأميركيين أن وزارة الدفاع سوف تواصل قيادة الحملة ضد «داعش» وستبقى الحملة في العراق وسوريا خاضعة لتوجيه القيادة الوسطى الأميركية، إذ لم يطلب من قيادة القوات الخاصة بأي شكل أن تتسلم ادارة الحملة.إلا أن ثلاثة من المسؤولين الاميركيين يؤكدون أن قيادة القوات الخاصة قد طلب منها تقديم خيارات اخرى توظف فيها قدرات ومهارات غير متوفرة لدى أكثر من 60 ألف عنصر تحت قيادة الجنرال «جوزيف فوتيل»، الذي كان في وقت من الاوقات قائداً لقيادة العمليات الخاصة المشتركة لمكافحة الارهاب المؤلفة من وحدات منتخبة مثل قوة دلتا التابعة للجيش ومجموعة تطوير اساليب الحرب البحرية الخاصة المعروفة ايضاً باسم «فريق سيل ستة».
خطط جديدة
كانت رغبة وزير الدفاع الأميركي للشروع بتطبيق بعض الخطط الجديدة المطروحة شديدة الى حد انه اعلن عنها قبل انتهاء المخططين العسكريين من معالجة بعض جوانب النقص اللوجستية والقانونية فيها. فقد فاجأ كارتر حتى قيادات الدفاع في وزارته عندما اعلن للكونغرس في الاسبوع الماضي انه سوف يرسل فريق القوات الخاصة الجديدة، المسمى «قوة الاستهداف الاستطلاعية»، الى العراق في حين أن كثيرا من العاملين ضمن هذه القوة موجودون في العراق من قبل الإعلان وهم متأهبون للمشاركة في غارات ومداهمات تشبه تلك التي صرع فيها مسؤول التخطيط المالي لـ «داعش» المدعو ابو سياف. اما ضوابط العمليات فلم ينته العمل بها بعد، على حد قول مسؤول اميركي كبير.
هذه القوات، إلى جانب العناصر الخمسين الذين سيعملون داخل سوريا، تخضع لقيادة العمليات الخاصة المشتركة، كما يقول مسؤولان أميركيان تحدثا بشرط عدم ذكر اسميهما.اضاف كارتر أن قواته لن تنفذ اية مداهمات او غارات داخل العراق الا بعد الحصول على موافقة من حكومة بغداد وقال أن الأمر سيتم دائماً بمشاركة القوات العراقية. الا أن البنتاغون لم يبت بعد في كيفية التصرف عندما يبدأ القاء القبض بصورة منتظمة على قيادات «داعش» في مداهمات تنفذ داخل سوريا، وقد تفاوتت الخيارات المطروحة ما بين تسليمهم الى الحكومة العراقية لاستجوابهم او نقلهم جواً الى سفينة اميركية ومحاكمتهم هناك مثلما حدث مع المشتبه بهم من تنظيم القاعدة الذين كان يلقى القبض عليهم في ليبيا والصومال.في ايجاز للبنتاغون امام الصحافة يوم الخميس الماضي قال كارتر: «سوف يعتمد التعامل مع من يقعون في قبضة قوة الاستهداف الاستطلاعية اساس اخذ كل حالة بحالتها، والأمر مرهون بالظروف.»
الحديث المباشر
يقول مسؤولان اميركيان أن «مستشاري» العمليات الخاصة الخمسين، الذين يتوقع دخولهم الى سوريا خلال هذا الشهر، سوف يساعدون في تحقيق المزامنة والتنسيق بين الضربات الجوية وهجمات المتمردين على الارض من خلال الحديث المباشر بدلاً من اسلوب الرسائل النصية المتبع حالياً، ومن المتوقع أن يؤدي هذا الى تلافي الاخطاء واصابة المدنيين جراء العمليات.
يقول جميع المسؤولين الذين اجريت معهم المقابلات أن تصعيد الغارات والمداهمات ليس حلاً للمشكلة، ولكنه سيلحق بـ «داعش» من الاضرار ما يجعله اقل جاذبية، كما أنه كسب للوقت كي تتحرك خطوات اخرى ضرورية، مثل الصفقة السياسية التي يجري العمل فيها.من جهة اخرى يتحاور المسؤولون الأميركيون مع حلفائهم المقربين مثل بريطانيا وفرنسا وغيرهما لاقناعهم بتصعيد عمليات مكافحة الارهاب من جانبهم ايضاً في مناطق مثل ليبيا التي يتنامى فيها نفوذ «داعش» ولكن البيت الابيض يحجم عن ارسال قوات الى هناك بعد الهجمات التي اسفرت عن مقتل السفير الأميركي وثلاثة آخرين معه في بنغازي.يقول مسؤول غربي تكلم بشرط عدم ذكر اسمه: «بات واضحاً لدينا الآن أن علينا تصعيد الجهود على الصعيد العالمي.
فما دامت لهم رقعة من ارض سيبقون قادرين على الحديث عن خلافة.»




