
مقدمة: تعمل محافظة كربلاء المقدسة على ايجاد بدائل لتوفير الاموال من اجل تنفيذ المشاريع الستراتيجية، خدمة للمواطنين والزائرين، لاسيما مع شكواها من قلة التخصيصات المالية مع كثرة متطلباتها السنوية.
واعلن محافظ كربلاء المقدسة عقيل الطريحي في حوار خاص اجرته معه «الصباح» توجه المحافظة الى جذب الاستثمار، بيد انه اكد ان (الاستثمار) ما زال يصطدم بعقبات عديدة اهمها الروتين والقرارات والقوانين المتعارضة.
وكشف الطريحي عن عزم حكومة كربلاء المحلية مغادرة اسلوب الازمة بادارة الزيارات المليونية، من خلال التوجه الى التخطيط المستدام، كاشفا عن البدء باصلاحات ادارية مهمة.
عاصمة السياحة الدينية في العالم
الطريحي اكد ان كربلاء باتت مدينة عالمية، خاصة انها تعد وبكل جدارة عاصمة للسياحة الدينية في العالم بما تحتضنه من اعداد هائلة من الزائرين سنويا، كما انها تعد ايضا عنوانا للاستقرار في العراق مثلما هي عنوان للتحدي والوحدة الوطنية والسلم الأهلي. وبين انه لا توجد مدينة في العالم تستقبل سنويا أكثر من 50 مليون زائر، وأكثر من خمسة ملايين زائر خلال ايام معدودات سوى كربلاء، كما انها تعد المدينة الأكثر استقبالا لوسائل الاعلام المرئية ومراسلي الصحف والوكالات التي تقوم بتغطية الزيارات المليونية، مستدركا بل انها اصبحت قبلة العالم الاسلامي.
تستحق ميزانية أكبر
واشار الطريحي الى ان هذه المدينة المقدسة ادخلت العراق في موسوعات عالمية ودفعت اصحاب الاقلام العالمية الكبار الى الكتابة عنها، وبالرغم من ذلك تعد محافظة محرومة ولا تحظى بالاهتمام الذي تستحق من قبل الحكومات المركزية المتعاقبة سواء في الزمن السابق او الزمن الحالي، كونها تحسب على اساس عدد النفوس، وحتى بالنسبة الى ذلك فانها تستحق اكثر من ميزانيتها الحالية لأنها باتت مأوى لآلاف العائلات النازحة، والباحثين عن فرص عمل، عادا ذلك اجحافا آخر يطال المدينة من قبل الحكومة.
تضرر البنى التحتية
وبخصوص ملف الخدمات، قال الطريحي: ان كربلاء بعتباتها المقدسة ومواطنيها ومسؤوليها يعدون خدمة الزوار شرفا كبيرا لهم، ولكن هذا لا يمنع من ان تكشف الحكومة المحلية عن تعرضها لخسائر كبيرة في البنى التحتية، الأمر الذي يعني الحاجة الى مستحقات مالية كبيرة لصيانة البنى التحتية التي تأثرت، من حدائق واشجار وارصفة وشبكات مجار وماء وحتى كهرباء، اضافة الى الدوائر الصحية وسيارات الاسعاف، منوها بان التعرض الى هذه الاضرار يعد أمرا طبيعيا جدا امام ضخامة الاعداد الكبيرة التي تدخل الى كربلاء سنويا، نظرا الى مساحة المدينة الصغيرة وقلة المشاريع المنفذة فيها بسبب الازمة المالية، لافتا الى ان الحكومة المحلية ابلغت جميع الدوائر الخدمية بضرورة حصر الاضرار لارسالها الى رئاسة الوزراء لغرض تخصيص الاموال وصيانة ما تضرر.
تخصيص أموال للزيارات
وناشد المحافظ السلطتين التنفيذية والتشريعية بتخصيص مبالغ مالية للزيارات الدينية، تتناسب مع حجم واهمية الزيارات التي تشهدها المحافظة، سواء منها زيارة العاشر من محرم الحرام او الزيارة الاربعينية او زيارة النصف من شعبان، منبها على ان هذه الزيارات تعد «وجها مشرقا» للعراق، الى جانب مساهمتها في دعم اقتصاديات البلد، فضلا عن دورها الاعلامي، لذا على الجميع السعي لتطوير كربلاء لانها ليست لمذهب واحد او دين واحد، وانما باتت مقصدا للكثير من المذاهب واحرار العالم من جميع الأديان والقادمين نحوها من شتى قارات العالم.
وضع خطط مستدامة
الطريحي لفت الى ان حكومة كربلاء المحلية تعمل على مغادرة اسلوب الازمة بادارة الزيارات المليونية، من خلال التوجه الى التخطيط المستدام، على اعتبار ان الزيارات ظاهرة تتكرر كل عام والمدينة تستقبل نحو 50 مليون زائر سنويا، لذلك فان المحافظة بحاجة الى وضع دراسات مستقبلية تسهم بتسهيل مهمة استقبال هذه الأعداد المليونية. وتابع ان هذا التخطيط يتطلب عدة معايير إضافة الى دعم الحكومة الاتحادية والوزارات والمحافظات المجاورة، من خلال توفير الامكانيات البشرية والمادية والآلية، داعيا الحكومة الاتحادية الى ضرورة تبني مبدأ اشغال المكان المؤقت، وان لايتم التعامل مع كربلاء بحسب عدد نفوسها الاصليين عند إعداد الموازنات وغيرها من التخصيصات المالية.
مبالغ الزائر دولار
وفي ما يتعلق بمبالغ الزائر دولار، دعا الطريحي الى ان يتم الاسراع في صرف هذه المبالغ الى المحافظة، لكي تتمكن الحكومة المحلية من الانفاق على المشاريع التي لها صلة بالزيارات الدينية، مثل مشاريع الطرق الحولية والمجسرات والطرق البديلة وغيرها من مشاريع يجري العمل فيها او تلك التي تعاني من تلكؤ.
ونوه المحافظ بان كربلاء تعاني من ازمة بالنسبة للأموال المخصصة للمشاريع بعد ان كانت تمني نفسها بمواصلة تنفيذ العديد منها، خاصة وانها وصلت الى اكثر من 1000 مشروع بمختلف المجالات والقطاعات.
توقف المشاريع الستراتيجية
وفي ما يخص تنفيذ المشاريع قال الطريحي: ان المحافظة شهدت تنفيذ العديد من مشاريع البنى التحتية وخاصة في قطاع الماء والمجاري، الا ان الازمة المالية ألقت بظلالها على اكمال بعضها، وبالتالي عرقلت الانتهاء من البنى التحتية.
وذكر ان هذه الازمة اوقفت أكثر من 500 مشروع، اغلبها يدخل في صميم الحياة اليومية للمواطنين، لذا فان الحكومة المحلية ملزمة بايجاد البدائل لتوفير السيولة المالية، خاصة ان المحافظة لم تتسلم من تخصيصاتها المالية لهذا العام، إلا نحو 20 بالمائة منها، مع ان المحافظة مدينة لعدد كبيرمن المقاولين والشركات بمبالغ طائلة تصل الى اكثر من 100 مليار دينار، منبها على ان هذا المبلغ يرتفع كلما مر الوقت.
بدائل مالية لتجاوز الأزمة
وعن البدائل المالية التي تسعى الحكومة المحلية في كربلاء الى التوجه لها للتقليل من ازمتها المالية، اوضح الطريحي ان البدائل المقترحة تتضمن الاقتراض من المصارف الأهلية وتدعيم واردات المناقصة من خلال الجباية التي تفرض كإيراد محلي لشاحنات نقل المواد الإنشائية، اضافة الى الاعتماد على الاستثمار والتعاقد مع الشركات لإكمال العمل في المشاريع المتوقفة بنظام الدفع الآجل.
أهمية المشاريع الاستثمارية
وبشأن المشاريع الاستثمارية التي بامكانها تطوير المدينة، ذكر محافظ كربلاء ان الاستثمار يعد «الطريق الانسب» في الوقت الراهن لتنفيذ مشاريع مهمة في المدينة المقدسة، لكنه (الاستثمار) يصطدم بعقبات عديدة اهمها الروتين والقرارات والقوانين المتعارضة ما بين الدائرة الواحدة والدوائر المتعددة وما بين تخوف الشركات العالمية الرصينة وتأثرها بالاعلام الغربي والمعادي للعراق.
ولفت الى ان كربلاء شهدت تنفيذ العديد من هذه المشاريع سواء منها على مستوى المشاريع الاسكانية ام المشاريع الانتاجية الاخرى، مثل المشاريع الزراعية وبعض المشاريع الصناعية كمشروع استثمار معمل سمنت كربلاء من قبل شركة فرنسية ومعمل انتاج الحديد والصلب من قبل شركة صينية، فضلا عن مشروع مصفى كربلاء النفطي الذي باشرت تنفيذه مجموعة الشركات الكورية، كما ان هناك سعيا لاستثمار معمل النورة، هذا فضلا عن المشاريع الاخرى التي نفذتها شركات عالمية كمحطات الكهرباء والمشاريع السياحية الفندقية، مؤكدا ان كربلاء اعلنت استعدادها لتوفير جميع ما تحتاجه هذه الشركات.
مطار الامام الحسين (ع)
وزاد الطريحي بالقول: ان المحافظة تنتظر بفارغ الصبر البدء في تنفيذ مشروع مطار الامام الحسين (ع) الذي يعد من المشاريع المهمة لكربلاء، كونه سيوفر موردا ماليا كبيرا للمدينة، اضافة الى مشاريع الدوارات التي تحيط بالمدينة التي يستمر العمل لانجازها، مبينا انها ستسهم بتخفيف الزخم عن مركز المدينة.
وعن تطوير الاداء الحكومي، بين المحافظ ان كربلاء لديها الكثير من المشاريع التي تواجه معرقلات عديدة بسبب الحاجة الى متابعة علمية من قبل الموظف المحلي الذي يفتقر للخبرات العلمية والتقنية الحديثة، وهو ايضا متصل بإمكانية الشركات المنفذة لهذه المشاريع التي ربما بعضها يعمل وفق امكانات ذاتية دون ان تطور مداركها العلمية والتقنية، او تزيد عدد آلياتها، اضافة الى ان الجميع ظل اسير الروتين في العمل والانجاز.
أسباب تلكؤ المشاريع
وفي الاطار نفسه، نبه الطريحي على ان الحكومة المحلية وضعت يدها على احد اهم اسباب تلكؤ المشاريع، المتمثل بقلة خبرة المنتسبين في المجالات الاعمارية، لذا تعمل على تطوير خبراتهم ومهاراتهم من خلال اقامة العديد من الدورات التدريبية لاغلب المنتسبين في المجالات القانونية والهندسية والمالية، موضحا ان هذه الدورات التي تقام بالتعاون مع مشروع الاصلاح الاداري العراقي – الأميركي (ترابط)، تهدف الى تنمية المهارات وفق برنامج المعهد الدولي لإدارة المشاريع PMI، مؤكدا ان الحكومة المحلية تسعى لكي يطلع الجميع في هذه الدورات على الطرق الحديثة المعتمدة عالميا بهذا الشأن.
تحقيق الاصلاح الاداري
اما بشأن الاصلاحات الادارية، فاشار محافظ كربلاء الى ان الوقت حان لكي تغادر الدوائر التفكير التقليدي وتجاوز مرحلة التعامل الورقي الذي يعد بمثابة الخطوة الاولى لتحقيق الإصلاح الإداري، مبينا ان الدورات التي تقيمها الحكومة المحلية تهدف الى تطوير قدرات العاملين، خاصة المهندسين، من اجل ان يكون الاشراف الميداني لهم اعلى من خبرة الشركات، وبالتالي يمكن السيطرة على مواقع الخلل بتنفيذ المشاريع، لذا ستكون هذه الدورات حافزا لاتخاذ القرارات الشجاعة في مواجهة مشاكل المشاريع المنفذة.
ويرى الطريحي ان الوقت حان لمغادرة الطرق القديمة المعمول بها بتنفيذ المشاريع، مشددا على أن المنتسبين من جميع الملاكات عليهم التفكير جديا بتطوير مهاراتهم، فيما ستضع الحكومة المحلية من جهتها جميع امكانياتها بغية الوصول الى النتائج المرجوة من هذه الدورات، لكونها ستصب في صالح التطور والاعمار والبناء في كربلاء عبر استخدام التقنيات الحديثة والحوكمة الالكترونية التي تختصر الزمن، معبرا في الوقت نفسه عن اسفه، لان هناك بونا شاسعا بين الواقع والزمن الذي يعيش فيه العالم المتطور.
الارتقاء بالعملية التعليمية
وبشأن سعي كربلاء لتطوير العملية التعليمية، بين المحافظ ان النجاح والتفوق يعتمدان على الجهد التعليمي في المدارس، لان اي دولة متفوقة تعليميا تجدها متقدمة علميا، مضيفا ان المحافظة تمتلك من المؤهلات ما يجعلها تسعى لتطوير نفسها علميا، خاصة وان العراق يعد حاضنة علمية متفوقة على مدى التاريخ. وتابع ان كربلاء تعد واحدة من المحافظات الرصينة التي لم تألوا جهدا لكي تحقق النسب العالية من النجاح في جميع المراحل الدراسية.
واضاف ان طلبة كربلاء دائما من المتفوقين، لهذا قررت الحكومة المحلية تخصيص سيارتين حديثتين، احداهما تمنح للطالب او الطالبة، في حال احراز المركز الاول على مستوى العراق في الامتحانات النهائية للصفوف المنتهية، فيما ستمنح السيارة الأخرى لمدير المدرسة، مشيرا الى ان هذه الجائزة تأتي لجعل السباق نحو التفوق عاليا، وايضا يصب في صالح العلم والتعليم في المحافظة والبلاد عموما، كما يعد كذلك تثمينا وتكريما للجهد المبذول من قبل الطالب طوال العام الدراسي.
واكد ان الامر لن يتوقف على تخصيص السيارة، وانما ستكون هناك احتفالات تكريمية للمتفوقين على مستوى العراق او المحافظة مع اداراتهم، مبينا ان الجوائز ستشمل جميع المراحل الدراسية.
النهوض بالواقع السياحي
وبخصوص السياحة الاثارية، افاد الطريحي بان حكومته تعمل على اعادة اعمار المناطق السياحية والاثارية المهمة، منوها بان هناك أكثر من 300 موقع اثاري تتراوح تواريخها بين ما قبل الميلاد والعصر الاسلامي المتأخر، لافتا الى ان المحافظة وبجهود ذاتية استمرت لأعوام، تمكنت من اعادة تأهيل خان النخيلة الذي يعرف باسم (خان الربع).
وقال المحافظ ان الحكومة المحلية تسعى من خلال اعادة اعمار هذه المواقع الى العودة لانتاج الثقافة العراقية التي تواجه التحديات، لتكون مركز اشعاع لجميع دول العالم، بعد ان طالها الخراب بسبب الحروب وسياسات النظام المباد الذي حول الكثير منها الى مخازن للأسلحة او ساحات للتدريب، منوها بان هناك تفكيرا جديا من قبل حكومة كربلاء المحلية للنهوض بالسياحة الآثارية لتكون موردا اساسيا من موارد اقتصاد كربلاء والبلد عموما. وانتقد الطريحي غياب هذا التفكير سابقا، وعدم وجود سعي حقيقي وعلمي تجاه تطوير الواقع السياحي، الا انه لم يستبعد ان يؤثر الوضع الاقتصادي والواقع الامني في تأجيل الكثير من هذه المشاريع العديدة التي تخطط المحافظة لتنفيذها.




