اعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي عن توجهه الاصلاحي منذ اللحظة الاولى لتسلمه مهام منصبه. ويصح القول انه اول رئيس وزراء عراقي بعد التغيير يتبنى الدعوة الاصلاحية رسميا. وقبل العبادي كان الكثير من الكتاب والاعلاميين والمثقفين قد دعوا الى اصلاح العملية السياسية وتطوير الوضع المعاشي العام و تحسين الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين. ولم تكن هذه الدعوات نشازا. فالإصلاح امر مطلوب بحد ذاته. وهو حركة مجتمعية دائمة في المجتمعات الحية تستهدف بشكل دائم ما فسد من امور الناس من جهة وإضافة تحسينات الى هذه الامور من جهة ثانية. فهو حركة هدم وبناء مستمرة ولا تتوقف الحركة الاصلاحية اذا تم القضاء على الفساد تماماً لان اضافة التحسينات الى الحياة ستظل قائمة ومطلوبة. ومهم ان يعي الناس هذا الامر حتى لا يقترن الاصلاح في أذهانهم بمكافحة الفساد فقط. هذا اضافة الى ان الأوضاع السياسية والاقتصادية والإدارية في العراق بحاجة الى إصلاحات جذرية واسعة النطاق. العملية السياسية تعاني من عيوب تأسيس وأخطاء ممارسة شجعت على تنامي الفساد من جهة وأصابت الدولة بالعوق وعدم القدرة على الانجاز من جهة ثانية. والاقتصاد الوطني العراقي مرتهن الى النفط وعدم وضوح الهوية الاقتصادية. وتعاني الدولة من تركة قانونية وتشريعية أصابت دوائرها بالروتين القاتل الذي يشكل احد اسباب معاناة المواطن العراقي. أضف الى هذا كله التردي المستمر بالخدمات. كل هذه الاسباب وغيرها تجعل الاصلاح ضرورة ملحة بالنسبة للعراق. وينطلق الاصلاح من رؤية مستقبلية جامعة تؤلف ما يمكن تسميته بالنظرية الاصلاحية والبرنامج الاصلاحي الذي يحدد الأهداف القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى للاصلاح والمخرجات المطلوبة من العملية الاصلاحية والمصطلحات والمفردات المستخدمة والإجراءات اللازمة والمجالات والأدوات والقوى الفاعلة وهكذا. وهذا ما يطلق عليه القرآن الكريم اسم «البينة» كما في قوله تعالى: «يا ايها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ان الله كان بما تعملون خبيرا» (النساء 94). حين اعلن الامام الحسين ثورته الاصلاحية اعلن عن رؤيته المستقبلية لهذه الثورة والإجراءات التي ينوي اتخاذها حتى اصبحت كلماته في هذا الصدد دليل عمل لكل من يريد السير في طريق الاصلاح: « اني لم اخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر واسير بسيرة جدي وابي علي بن ابي طالب» . « اللهم انك تعلم ما كان منا منافسة في سلطان ولا التماسا من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الاصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسننك واحكامك» . البينة هي الشرط الاولي المسبق لنجاح العملية الاصلاحية حيث بدونها تقع العملية في مطب التخبط وارتكاب الاخطاء وانعدام الرؤية وغياب البوصلة وارتباك التوجه. وبقدر ما ينبغي ان تكون البينة او الرؤية الاصلاحية واضحة لدى رواد الاصلاح ودعاته وقادته فانها يجب ان تكون واضحة لدى عموم الناس وهم اصحاب المصلحة الاولى في الاصلاح واحد اهم أدواته التنفيذية. وغياب الرؤية لدى الجمهور او عموم الناس يؤشر الى خلل فظيع سيؤدي في نهاية المطاف الى فشل المشروع الاصلاحي. لذا يجب ان يسبق التثقيف على المشروع الاصلاحي اية خطوات تنفيذية او اجرائية من اجل ان يتفهم الجمهور هذه الخطوات وينسجم معها. انني افترض ان لجنة متخصصة علنية تضم علماء ومفكرين واعلاميين من مختلف الاختصاصات والمشارب والمكونات السياسية والمجتمعية تجري مناقشات عامة بشأن المشروع الاصلاحي قبل ان توضع ورقة الاصلاح الشامل التي سوف يتبناها البرلمان والحكومة والفعاليات المجتمعية والدينية والسياسية المختلفة. مثل هذه الورقة الشاملة ستكون هي الرؤية المجتمعية الموحدة للمشروع الاصلاحي. قد يستغرق الامر عدة اشهر لتحقيق هذا الانجاز الاولي. وهو امر تأسيسي في غاية الأهمية اذا اريد للمشروع الاصلاحي ان ينجح فعلا. الحلقات المقبلة من هذه السلسلة تفترض وجود هذه اللجنة.





