واحدة من اغرب التقاليد العشائرية في العراق، هي “تكريم” الشخص العزيز بامرأة، كما لو كانت “هدية”، ويلاحظ ان نسبة عالية من سكان المدن، بل ومن المحسوبين على مثقفيها، تتعاطى مع هذا التقليد برحابة صدر، وكأنها لا تعيش عصر الحرية والمساواة وحضارة الانترنت وديمقراطية العراق الجديد!! من هنا، وهبني احد اصدقائي الادباء شقيقته على الطريقة القروية، فبعد معرفته انني “ارمل” منذ بضع سنوات، واعاني من متاعب الوحدة، قال لي بالحرف الواحد (عزيزي ابو عمار … جتّكْ أختي)، ولكوني اجهل طبيعة الرد المناسب في مثل هذه الحالات، او مثل هذه الهدايا، اكتفيتُ بالتعبير عن امتناني، وقلت له: شكراً.. هذا فضل كبير منك!! وهكذا جرت الامور بعيداً عن اي تخطيط، فأنا لم اضع مشروع الزواج من بين مشاريعي ابداً، ولكنني قبلتُ هدية صديقي، ولا بد ان اتعامل معها على وفق الاصول!! بزمن قياسي تم عقد القران والزواج، والحق فان السيدة كانت على قدر لا يستهان به من الجمال، وعمرها 59 سنة، وربة بيت مضبوطة، وحاصلة على شهادة الابتدائية، وسبق لها الزواج 3 مرات، في كل مرة يتم الطلاق للسبب نفسه، هو شغفها الى حد الهوس المرضي، بكل شيء جديد يطرح في الاسواق، سواء كان اجهزة كهربائية ام ملابس ام اثاثاً منزلياً… الخ، وهي مستعدة ان تأكل رأس زوجها اذا لم يستجب لرغبتها.. وانا لم اجد في هذا الهوس مشكلة تستحق التذمر والانفصال، لان 95,6بالمئة من النساء يعانين من هذا الهوس!! بالطبع انا مدين لزملائي في الصباح على وجه الخصوص، كونهم يعرفون جيداً، إنني (تحت الخط)، ولهذا غمروني بالهدايا المالية الدسمة التي رفعتني (فوق الخط)، بحيث اصبحت قادراً على الوقوف امام القصاب بشجاعة، وتلبية طلبات زوجتي التي لاحظت انها مهووسة فعلاً هوساً مرضياً بالجديد.. ربما حتى زواجها للمرة الرابعة جاء من هذا الباب!! اخر طلباتها الغريبة وانا اذهب الى السوق، هو شراء كيلو (خيار) من النوع الذي وصفوه بانه الافضل على حد تعبيرها… وقد شعرتُ بالسعادة، لأن زوجتي بدأت على ما يبدو تميل الى المزاح وشيء من المرح و… وذهبت وعدت ومعي كيلو خيار، الا انني فوجئت بغضبها وعياطها لانني لم احضر النوع الجيد الذي ارادته.. وكنت اعتقد ان طلبها كان مجرد مزحة، حتى اذا نجحتُ في تهدئة اعصابها بعد طلعان الروح، سألتها عن اسم هذا النوع الجديد، فأجابتني بثقة عالية (سمعتهم بالتلفزيون يقولون: إن “خيار التسوية” هو الافضل ولا بديل عنه)، لطمتُ على رأسي وقلت لنفسي: ماذا كان سيحصل لو سمعتْ ان هناك خيار التسوية الوطنية والتسوية التاريخية والتسوية المجتمعية ..الخ، مشكلتي الان، هي كيف اتصرف؟ فالعرف العشائري لا يسمح لي بإعادة الهدية الى صاحبها، واذا واصلت السكوت، فسوف اموت من القهر!!

حسن العاني





