لأن فبراير، بارد وكئيب، ولا يساعد على نمو شيء سوى النوم، او هكذا يرى السكان في العهد الاغريقي، قرر الاله اغسطس ان يسحب يوما من هذا الشهر ويضيفه الى شهر اب، نرجسية منه، لتشابهه باسمه، او لجمال الطقس فيه، لا احد يعلم، لأن اخرين وجدوا ان هذه الحكاية هي مجرد خرافة، اذ لم يكن لفبراير وجود في العهد الروماني وذلك لعدم اهتمام الفلاحين بفصل الشتاء الذي لا يعرفون ما يطلقون عليه اسما حتى، فكانت السنة تمر ناقصة للعديد من الايام مما يؤثر حتى في تنبؤات الفصول الاخرى وطرق عودتها، الامر الذي دفع بالملك بومبيليوس ليضيف شهري يناير وفبراير، وكانا الشهرين الاخيرين في السنة. اذ تبدأ السنة عند ولادة الربيع في مارس، وهكذا صارت بقايا الايام في السنة من حصة هذا الشهر الصغير مكملا للسنة، كان يمكنهم بالطبع حمله ورميه في اي وقت يفضلونه، او حيثما مروا بحرب به توقد بقايا المحاصيل الزراعية وتجعلهم بجوع ممتد حتى الصيف. كان الامر سهلا بالنسبة لهم، ان يحذفوا تأريخا من حياتهم، تأريخ بكل ذكرياته يمكن محوه ببساطة، الامر كان مثل ارتداء ثوب وخلعه وقتما يحبون، الا تفكرون الان بحذف امور كثيرة من حياتكم كما يفعلون بشباط المسكين؟ انه يشبه رجلا يقضمونه في كل وقت. لكنهم يحملون حروبهم وتعاستهم في هذا الشهر عليه وحده دونما سبب، او حتى ان يدركوا انهم من جلب هذه التعاسات لا الشهر، انه بمثابة كراهية البعض للرقم 13 او الغراب او القط الاسود، نحمل الاخرين مسؤولية الاحداث التي تتربص لنا. الاساطير والحكايات الاخرى تؤكد ان اليوم الزائد في شباط جاء نتيجة شعور الملك بومبيليوس بالتشاؤم من الارقام الفردية، مضيفا هذا الرقم الفائض ليكون العدد فرديا. وهو 29 الذي يأتي مرة واحدة كل اربع سنين، ستصبح هذه السنة هي الافضل والاكثر حظا حينها. نحن هنا لا نعلم – لو اتيحت لنا الفرصة- اي يوم سنحذف من حياتنا، حالما خطرت الفكرة في رأسي، صار اليوم يسحب يوما اخر خلفه، واخر واخر، في بلادنا لا نستطيع ان نقضم يوما من حياتنا، يوم وحسب، الامر هنا يتعدى الاشهر لا وبل السنوات، هنالك سنوات كاملة نريد حملها ورميها مع كامل ذكرياتها السيئة، ثماني سنين في حرب ايران ثم حرب الكويت، ولا ننسى حرب 2003 والطائفية، ايضا الحرب الجديدة والطازجة مع داعش، نعم ان نحذفها كما نحذف اليوم الاخير من شباط، وان كانت الان، نحذف الان ونحن نتحدث ونعيش الموت، ذاكرتنا، لنبدو مثل فاقد للذاكرة، وكل ما نمر بحرب سيئة حذفنا ايامها، يا له من امر سعيد، ان نستيقظ في اليوم التالي ولا نعلم اننا في الامس قد متنا. ولا نعلم ان بلدنا مثل قطعة جبن مقضومة من جهات مختلفة. حقا انه السيد المقضوم، بكل فئران الحروب. لكن من يعيدنا الى العهد الاغريقي او الروماني؟ من يسمح لنا بمسح ذاكرتنا وايامنا، وهي تطاردنا ساعة بعد اخرى، لا احد، لا احد.






