عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي
عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي

مارلين: هوليوود والثقافة

المقالات 18 سبتمبر 2017 0 287
مارلين: هوليوود والثقافة
+ = -

 

9 views مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 18 سبتمبر 2017 – 10:03 صباحًا
مارلين: هوليوود والثقافة
سعد محمد رحيم

طغت صورة مارلين مونرو الأنثى المربكة بسحرها، الغاوية، المرحة الضاحكة، قنبلة الجنس، على صورها الأخرى التي سعت لتكريسها في الأذهان؛ أن تتقن التمثيل وتتألق فيه، وأن تبقى في ذاكرة الفن إلى جانب الكبيرات ممن سبقنها، ومن المعاصرات لها؛ فيفيان لي وأودري هيبورن وأنغريد برغمان وأليزابث تايلور وغيرهن. وكأنها كانت تفكِّر بالمستقبل، وما سيُقال عنها فيما بعد.. ولذا تركت ما يُخرجها من محبس تلك الصورة الأولى المصنوعة في غرف الدعاية والإعلام المعنيّة بملاحقة أخبار النجوم الفاضحة، وإعلانات استوديوهات الأفلام في هوليوود. رغبت بقوّة في أن تحقِّق ذاتها فنانةً موهوبةً بارعة، لا أنثى مغرية تبعث بذبذبات جنسية، كما أعلمها الممثل ميشال تشيكوف بعد الانتهاء من أداء أحد مشاهد فلم كانا يشتركان في تمثيله؛ هذه الخصلة التي لم تكن تريد لتجّار الجنس في هوليوود استثمارها. ولذا لن تُعطى أدواراً في أفلام ذات قيمة فنية عالية، لاسيما في أولى سنوات مشوارها المتعب في دنيا الفن.. وستشعر بنفسها “شيئاً كلمع السراب، وأنني على الأرجح سأُنسى بسهولة تماماً خلال عام واحد”. وبعد أن يتقاعد ميشال عن التمثيل ويكرِّس وقته للكتابة، وتدريس الفن لعدد قليل من المغرمين به، ستكون مارلين واحدة منهم.. تقول في كتابها (قصتي: مارلين مونرو) الذي ألفته بالاشتراك مع (بن هكت). وقد ترجمه إلى العربية: باسم محمود، وأصدرته دار المدى: “كتلميذة لميشال؛ تعلّمت ما هو أكثر من التمثيل، لقد تعلّمت علم النفس، التاريخ وأخلاقيات الفنون الجميلة: الذوق”. هوليوود عالم غوايةٍ صعب، واحتياز مكانة جيدة فيها يحتاج إلى مؤهلات جسمانية، وموهبة فنية لافتة، وإلى قدرٍ عالٍ من قوة الشخصية والذكاء، فضلاً عن الحظ. في مقابل أنَّ من يغامر في دخولها عليه دفع ثمن باهظٍ أحياناً من صحته النفسية والبدنية، ومن سمعته. وحين ألفت مارلين مونرو نفسها في استوديوهاتها لم تكن الطرق سالكة أمامها. وكان عليها أن تخوض كفاحاً عسيراً، لاسيما في مواجهة أولئك الذين شكّكوا بموهبتها، وأولئك الذين أرادوها قطعة حلوى شهيّة يلتهمونها متى رغبوا. ومن تجارب من سبقوها لنيل النجومية، هناك، فهمت ما الذي عليها فعله وتجنّبه، وإن لم يعنِ هذا بأية حال أنَّ كل شيء سار على ما يرام فيما بعد. “هوليوود التي عرفتها كانت هوليوود الفشل. تقريباً كل شخص قابلته كان يعاني من سوء المأكل أو لديه نزوات للانتحار”. كان التنافس شديداً بين الجميلات الحالمات بالثروة والشهرة، وكان الصيّادون من العاملين في صناعة الأفلام يستدرجونهن لأفخاخهم بالوعود الكاذبة. وكان هناك فريق ثالث من الفاشلين والزائفين  الذين يتكلّمون أكثر مما يفعلون. وكانت مارلين تعرف كيف تصنِّف هؤلاء من أولئك باحتراسٍ ودهاء. “هوليوود كانت مكاناً بشرياً أكثر منه جنةً قد حلمت بها ووجدتها. الناس فيها؛ المزيفون والفاشلون على حدٍّ سواء، كانوا نابضين بالحياة أكثر من الرجال العظماء، ومن الفنانين الناجحين، الذين عمّا قريب، كنت على وشك أن أتعرف عليهم”. ثمة صورة لافتة لها وهي بالمايوه، جالسة على سرير شاطئ البحر، تقرأ في رواية جيمس جويس الشهيرة (يوليسيس).. وقد يبدو غريباً أن تطالع امرأة مثل مارلين مونرو رواية معقّدة يصعب حتى على قرّاء محترفين إكمال قراءتها مثل (يوليسيس).. أهي صورة بروباغندا من النوع الذي استهواها غالباً؟ أحملت الكتاب لأجل الصورة، أم أن المصوِّر اقتنص فرصة لقطة نادرة لن تُمحى من ذاكرة السينما؟ أتراها وقعت على الكتاب مصادفةً؟ أقرأت الرواية تلك حتى الصفحة الأخيرة حقاً؟. أسئلة من الصعب الإجابة الدقيقة عنها الآن. أثار حماستها كتاب السيرة الذاتية لـ (لنكن ستيفنس).. تقول: “كان أول كتابٍ أقرؤه بدا أنه يُخبر عن الحقيقة بشأن البشر وعن الحياة”. وحين تحكي لزميلها مستر مانكوتز مادحةً الكتاب، سينتحي بها جانباً ليحذِّرها من أن مثل هذا المديح سيوقعها في مشكلة، وسيحسبونها راديكالية: “ـ راديكالية ماذا؟ ـ الراديكالية السياسية. لا تقولي لي إنكِ لم تسمعي بالشيوعيين!. ـ ليس كثيراً. ـ ألا تقرئين الجرائد؟ ـ أتجاوز الأجزاء التي لا تعجبني”. هذا الحوار بينها وبين زميلها يفصح كثيراً عن جوانب من شخصيتها؛ براءة تقترب من الطفولية، الصدق، الجرأة، وعدم الاهتمام بالسياسة. كانت تلك حقبة الحرب الباردة، واتهامات لجنة مكارثي سيئة الصيت التي حرمت السينما الأمريكية من بعض أهم مبدعيها بتهمة الشيوعية.. ولم تكن مارلين تفقه الكثير في السياسة.. لكن القراءة استغرقتها منذ أن أخبرها حبيبها الأول المثقف بأن درايتها بالحياة غير كافية، ومعارفها ضئيلة: “عقلكِ لم ينضج بعد مقارنةً بنهديكِ”. فراحت تقرأ الكتب، لاسيما بعد تعرّفها على ناتاشا لايتس مدربة التمثيل ذات الثقافة العميقة: “كانت تخبرني ماذا أقرأ. قرأت تولستوي وترجنيف. كانا يلهبان حماستي، ولم أكن أستطيع أن أدع كتاباً جانباً حتى أنهيه. وكنت أهيم حالمة بكل الشخصيات التي قد قرأتها وسمعتها تتحدّث إلى بعضها البعض. لكنّي لم أكن أشعر أن عقلي كان في تطوّر”. كانت تضيق ذرعاً بالرجال الثرثارين، الذين يتحدّثون بنرجسية عن أنفسهم، وتفرزهم عن أولئك المثقفين “الزاخرين بمعلوماتٍ وأفكار عن الحياة. إنه لمبهج أن تستمع لهؤلاء الرجال وهم يتحدّثون، لأنهم لا يتحدّثون باختيال”. كان هاجس التعليم والثقافة يؤرقها. وستسجل وهي في أوج تسلقها لسلّم مجدها الفني في جامعة ساوث كاليفورنيا. وستُصاب بخيبة أمل لما تعرف أن معلمها في دورة دراسة الفن امرأة، لأنها ما كانت تعتقد أن بإمكان أيّة امرأة تعليمها أيّ شيء. ولكنها ستُغيّر رأيها بعد الاستماع إليها وهي تحاضر عن فن عصر النهضة حتى أن مارلين ستتمنّى لو أنها عاشت في ذلك العصر. “بعد أسابيع قليلة توسّعت في نشاطاتي كطالبة. بدأت أشتري كتباً لفرويد وكتباً لبعضٍ من مريديه المُحدثين. كنت أقرأ الكتب إلى أن أُصاب بالدوار”. صورة فرويد، وقد رأته فيها مكتئباً، جعلتها تبكي. وبالرغم من هذا، ولكي تستقبل طاقة إيجابية تُعينها في اجتياز أيامها الطويلة الرهيبة، راحت تقرأ رسائله. وكانت عبارة من قبيل (السعداء لم يولدوا بعد) للشاعر جون ميلتون تستوقفها. ولعلّها تدفعها إلى التساؤل في ما إذا لم يكن كلُّ مسعىً في الحياة هباء؟ وأن العدمية، هي في النهاية، مآلُ كل روح كبيرة كروحها؟. وستبدأ فاصلة مثيرة وغير اعتيادية من حياتها بزواجها من الكاتب المسرحي الشهير آرثر ميللر. وتلك قصة أخرى.

شاركنا الخبر
احدث الاضافات
آخر الأخبار