في السبعينات والثمانينات مثلا، نخر الرعب من الدكتاتورية مجتمعنا ففقد الناس ثقة بعضهم بالبعض الآخر ما أدى إلى نشوء شريحة من كتبة التقارير. كانت تلك شريحة مسكينة تحاول طمأنة نفسها بتخويف الآخرين أحد أعظم التعليقات على مقالة كتبتها قبل سنوات هو الذي سأمر به اليوم، ولكن قبل ذلك، فلأسال: ما الذي يدعوني إلى استذكار التعليق، ومعه استحضار ثقافة الخوف والتخويف الذي دار حوله؟ ما يدعوني لذلك هو ما أقرأه وأسمعه منذ أيام، في الميديا وصالونات النخبة، في الشوارع والبيوت والمقاهي. أعني استعداء الآخر والتشنيع عليه، بل إشاعة الخوف منه ومحاولة تخويفه بذريعة دعوة لاستفتاء في إقليم معين أو نزاع على مدينة ما. نعم، ارتعبت وما زلت أرتعب كلما رأيت محرضا يلعلع أو مخوفا يرعب شريحة معينة من وحش مفترض. هذه هو مبرري لاستذكار التعليق الذي حدثتكم عنه، فماذا يقول ومن هو صاحبه ولماذا أحتفظ به في إرشيفي كل هذه السنوات؟ حدث الأمر عام 2010. يوم كنت أكتب في جريدة تتيح للقراء التعليق على مقالاتها في موقعها على النت. في تلك الأيام، دأب أحدهم على كتابة تعليقات عميقة دون أن يثبت له اسما أو صفة. تعليقات ما زلت أحتفظ بها من فرط روعتها وإليكم أحدها. يقول ذلك القارئ معلقا على ما كتبت عن جدي وخوفه من رجال الأمن العامة الذين داهموا بيتنا ليلة 17 تموز 1979. لقد وصفته بـ «الخطيه» فكتب القارئ:» هذا عمود يسجل من الناحية الاجتماعية والنفسية تاريخ الخوف، والخوف يخلف مساكين ينظرون لمسكنتهم، أو إنه يخلف قتلة! فالقاتل هو، أيضا، خائف هرب من خوفه ومن صفوف الخائفين إلى صفوف المخوفين، والسيادة في حياتنا هي لهذين النوعين. وكلاهما يحتاج إلى من يطمّن مخاوفهما، ولو بفضحها والحديث عنها». تعليق مبهر أتفق معه جملة وتفصيلا، وحدث لاحقا أن ناقشته بالتفصيل في عدد من المقالات. نعم، الخوف هو الثيمة الأبرز التي تنخر روح المجتمعات وتدمرها مهما أوتيت من وعي. وعادة ما تنشأ ثقافة الخوف نتيجة أزمات ثقة بين المكونات والشرائح. في السبعينات والثمانينات مثلا، نخر الرعب من الدكتاتورية مجتمعنا ففقد الناس ثقة بعضهم بالبعض الآخر ما أدى إلى نشوء شريحة من كتبة التقارير. كانت تلك شريحة مسكينة تحاول طمأنة نفسها بتخويف الآخرين. في أعوام الحرب الطائفية بين السنة والشيعة، عادت الثقافة ذاتها فصرنا نخاف من الآخر بشكل أكبر، ولئن التبس خوفنا بالطائفية، هذه المرة، إلا أنه كان هو نفسه الموروث كابرا عن كابر. أعني الخوف الدائم من الآخر والتخويف له. كان على الخائفين أن يتحولوا إلى مخوفين للخلاص من خوفهم. اليوم يراد لنا العودة إلى النفق ذاته، ولكن بين القوميتين العربية والكردية. متى نتخلص من هذا الأرث المزعج؟ لا أدري.

محمد غازي الاخرس






