تعود العلاقات التركية الأميركية مجددا إلى دائرة التوتر بعد اتهام أنقرة فتح الله غولن أحد أشد خصوم الرئيس رجب طيب أردوغان بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة عليه، وما أعقبها من تقديم الحكومة التركية طلبا رسميا إلى السلطات الأميركية لتسليمها غولن الذي تحتضنه الولايات المتحدة منذ نحو 17 عاما. ويُشكّل هذا الطلب حاجة ملحّة بالنسبة لأنقرة، بالتزامن مع حملة التطهير الواسعة التي بدأتها في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والقضائية والتعليمية عقب إحباط التمرد العسكري، والتي ستكتسب زخما كبيرا فيما لو وافق الأميركيون على إعادة غولن لتركيا. وعلى عكس تركيا، فإن قضية غولن لها أبعاد سياسية بالنسبة لواشنطن، وسبق أن رفضت مرات عدة دعوات المسؤولين الأتراك لتسليمه، رغم أن ذلك تسبب بتوتر محدود بين البلدين. لكنّ الوضع اليوم يختلف كثيرا، ولن يكون باستطاعة أردوغان التنازل على هذا المطلب، ولا الإدارة الأميركية بمقدورها أيضا المماطلة في القضية، لا سيما أن الرئيس التركي لوّح صراحة خلال الأيام الماضية بورقة العلاقات الستراتيجية والحساسة مع واشنطن. وقد يكون من سوء حظ الرئيس اوباما ان يجد نفسه في ازمة جديدة مع تركيا قبل اشهر من انتهاء رئاسته فيما يسعى الى ان يطوي سوء ادارته لملف الحرب السورية والذي جرى انتقاده كثيرا عليه في واشنطن وايضا من حلفائه الاوروبيين والاقليميين فيضطر الى المحاذرة في طريقة التعامل مع الرئيس التركي. صحيح ان اردوغان شهد تراجعا كبيرا من حيث تقديره على المستوى الشخصي، الا انه يلوح بأنه يمسك باوراق ليس اقلها الحاجة التي تمثلها تركيا لدول حلف شمال الاطلسي من جهة وتلويحه صراحة بتقارب مع روسيا كان بدأه قبل محاولة الانقلاب وسيتوجه قريبا بلقاء ثنائي مع الرئيس فلاديمير بوتين من جهة اخرى وذلك في وقت يدرك فيه حساسية المرحلة بالنسبة الى حلفائه الغربيين. ومن غير المرجح ان يرغب اوباما في مغادرة السلطة على وقع خلافات مع تركيا، علما انه يعتقد ان ملف غولن قد يتركه للرئاسة المقبلة خصوصا ان اية اجراءات قضائية حول استرداد غولن قد تأخذ اشهرا وربما سنوات. كما ان هناك الدول الاوروبية القلقة على استقرار تركيا وعلى الاطار الذي يمكنها من الاستمرار في استيعابها وترك الباب مفتوحا امامها للانضمام الى الاتحاد الاوروبي في ظل انتهاكات لا تقبلها، لكن اردوغان يلوي ايضا ذراعا ضعيفة لاوروبا في ظل مشكلات لا تنتهي مع الارهاب الذي يضرب القارة القديمة ومسألة اللاجئين وخروج بريطانيا من الاتحاد. وبين جملة هذه التحديات التي تتوزع على الحلفاء الغربيين من المرجح ان اردوغان يدرك جيدا ان تسليم الادارة الاميركية غولن لتركيا لكي تتم محاكمته هو امر صعب لكنه يرفع السقف في اطار استمرار تظهير «العدو» قائما ما يساعده في ابقاء الحشود التركية من حوله متحفزة وغاضبة وما يبقي الولايات المتحدة في موقع الدفاع عن موقفها بدليل المرونة او عدم الغضب الذي ابدته ازاء الحملة القمعية لاردوغان على عكس الاوروبيين الذي يرفعون مثاليات اكثر من الاميركيين لجهة حقوق الانسان والانتهاكات التي اعتمدها اردوغان في اطار حماية حكمه. الا ان الاهم ان الرئيس التركي يدرك ان محاولة الانقلاب الفاشلة لا يمكن للمجتمع الدولي ان يتحمل مزيدا من ظواهرها في المرحلة الحالية بحيث ان التجارب القاسية للتخبط الغربي في التعامل مع الانقلابات في السلطة ايا كانت محفزاتها خلال الاعوام الماضية جعلت الدول الغربية حذرة وحاسمة في التعاطي مع اي سوء تعرفه بمقابل امور اسوأ تجهلها او تخشاها. لذلك فان كل طرف يقوم بما عليه في ضوء توقعات ان يندرج ذلك في الاطار البديهي والطبيعي للامور. وفي ظل الوقت الاميركي الضائع في انتظار وصول ادارة اميركية جديدة لن يكون ملحا المطالبة بامور كثيرة من تركيا مما يترك المجال واسعا لتركيز ارودغان اهتمامه على الداخل تدعيماً لحكمه وسلطته. ولا يخفى على احد ان المشاكل الداخلية امام اردوغان كانت كبيرة جدا قبل الانقلاب وكل ما يجري منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة يتصل بتداعيات هذه المشاكل التي هي من صنع اردوغان نفسه ومسؤوليته المباشرة. اما ما يطال تراجع شعبية اردوغان خارج تركيا نتيجة الاجراءات ضد معارضيه فهذا الامر لم يعد مهما منذ زمن بعيد في ضوء مشكلات واجهها اردوغان بالذات على هذا الصعيد في ضوء ادارته علاقاته مع دول الجوار كما مع دول العالم الاساسية كاميركا وروسيا على نحو غدا معها شخصية باشكاليات عدة لدى الرأي العام في المنطقة تبعا للاصطفافات والمحاور التي اقيمت على خط الازمات في المنطقة ومن بين هذه الازمات تلك التي قامت وتستمر مع مصر الى جانب الازمات الاخرى.






