في المطعم الصغير بروما، وأنا أدخل دهليز المغاسل، سألت ما إذا كانت اللوحات الزيتية المعلقة على الجدار أصلية أم مزيفة؟ لكن صديقي المترجم، محمود الدليمي، الذي أمضى ثلاثين عاما هناك، أكد لي بأن ما يعرض هنا وهناك، في المتحف والمطعم والمنزل، وفي غالبية الأمكنة ليس مزيفا. سألت ذلك، لأنني كنت مندهشا من المتحف الكبير، الذي اسمه روما، كانت النصب والتماثيل مطلقة في الشارع، وكنت ساعة أتلمس الحجر والآجر أردد مع نفسي ما قاله إدغار آلان بو: أنا أنشد المجد الذي كان يوما روما، أنشد العظمة التي كانت يوما أثينا. أجلس في بيوت ميسورين، تجار وأساتذة جامعيين، رجال أعمال وسياسيين كبار، فلا أرى على جدران بيوتهم ما يوحي بأنهم يعتنون بما يعلق عليها، هنالك حشو لوني لا أكثر، محاولات يائسة لسد شاغر في مساحة بيضاء. يعلق بعضهم آيات من المصحف أو صور أولياء وولاة سابقين ورجال دين أحياء وأموات، لكنني لم أجد بينهم من يعتني بالطبيعة في أقل تقدير، اللهم، إلا مما تلتقطه الكاميرا الغبية من نخل وماء وزوارق وطيور، صور مما يطبع بالأجهزة الحديثة، حيث تزدحم الألوان ويفسد الذوق. ليس بينهم من فكر يوما ما باقتناء عمل زيتي لفنان عراقي، وهم كثر، يملؤون القاعات والمتاحف خارج العراق. كنت تذكرت مدير المكتبة الملكية بالرياض، فيصل بن معمر، وهو يمرر أصابعه مبهورا، مأخوذا بعظمة عمل نحتي، لمحمد غني حكمت، سبق له ان اقتناه من بائع تحف في بيروت أو القاهرة، وجاء به بيته غانما، محتفلا. البيت، المتحف، في الوادي الرطب. من حيث المبدأ، نجد أن الحياة لن تتعطل، أبدا، ولن تتوقف عجلة النمو في البلاد، أي بلاد، إذا بات جدران منازلها بلا لوحات أو أعمال فنية، لكن ذلك لا يعني أن الحياة ستصبح ممكنة، ضمن الآلية الفقيرة هذه. هنالك، دائما فجوة عميقة في نفوسنا جميعا، لا نستطيع ردمها بالمال، ولا حتى بالخبز أو بالثياب. نحن نقتطع جزءا من مساحة الأرض المتاحة لنا بيتا وسكنا، غالبا ما تكون في المدخل، سميها الحديقة، الحديقة لوحة حياتنا المنقوصة، الملقاة عند باب البيت. وهكذا نختار ألوان قمصاننا وأربطة اعناقنا ومن ثم أقلامنا وحقائب اولادنا. يقول ستيفان زيفايج (1881-1942) في كتاب مذكراته (عالم الأمس) انه كان من المعيب على المرء، في النمسا خلال الفترة تلك، أن يموت دون أن يعثر الذين يقومون بغسله في جيبه على بطاقة أو بطاقتين لدخول المسرح، لم يمت زيفايج في فراشه، انتحر، كانت الحياة قد ضاقت به.




