بعد جهد وعناء وصراع مع هذه الوزارة أو تلك، ومع هذا السياسي المتصيّد والباحث عن حصة، أو ذاك الذي يرى في التكنولوجيا الجديدة ترفاً نحن في غنى عنه، دخلنا – متأخرين جدا – نادي الجيل الثالث من الانترنت في حين كان يغادره الكثير الى جيل أحدث وأسرع هو الجيل الرابع. سنوات عديدة تأخرنا، ضاعت فيها علينا فرص الافادة من الانترنت السريع وإمكانية استخدام الهاتف الذي هو أكثر من مجرد هاتف اللاتصال الصوتي، بل هو يقوم بنقل المعلومات من صور وأفلام وغيرها الكثير مما يجعل الهاتف الذكي مكتباً كاملا محمولا باليد، يغني عن عشرات الاجهزة والمعدات التي تحتاجها في مكاتب العمل. التأخير أدى أيضا الى خسارة الدولة لمئات ملايين الدولارات المتأتية من أجور الترددات الممنوحة للشركات لتقديم هذه الخدمة، ومن مشاركة الدولة في عائدات هذه الشركات بما يتراوح بين 15 و18 بالمئة. لكن، حتى هذا الانتقال المتأخر، لم يوفر لنا خدمة الانترنت السريع بالشكل الذي عليه كل دول العالم، فهي ما زالت خدمة «عرجاء» ضعيفة ومتقطعة وبطيئة، بحيث لا تمكّننا من مشاهدة مقطع فيديوي دون توقفات، فضلا عن الانقطاعات التي تستمر لساعات يوميا، مما يدفع المستهلكين الى كيل السباب والشتائم للشركات، فيما يبادر الكثيرون الى وصفها بالسارقة والماصّة لدماء الناس. لا يمكن تنزيه الشركات من تهمة التلاعب والغش، خصوصا في حساب وقت المكالمات الهاتفية، لكن أسباباً وأطرافاً أخرى تقف وراء الكثير من مشاكل خدمة الانترنت على الهاتف النقال (الجيل الثالث)، على رأس هذه الاطراف وزارة الاتصالات التي تحتكر الكابل الضوئي وخدمة الانترت المارة عبره، بعقلية النظام الاشتراكي، وهو احتكار يؤدي الى فرض أجور عالية جدا على الشركات تفوق ما تأخذه دول مجاورة فقيرة بأكثر من عشرين مرة، فتقوم هذه الشركات، باعتبارها تجارية تتوخى الربح وليست جمعيات خيرية، برفع سعر الخدمة المقدمة للمستهلك الذي يدفع أضعاف ما يدفعه نظيره في الدول الاخرى.لا يتوقف الامر على السعر، بل يتعداه الى جودة الخدمة التي هي في ادنى مستوياتها، فالاسعار المرتفعة تدفع الشركات الى خفض السرعة لئلا تخسر، والخدمة تمر عبر خطوط الكابل الضوئي الذي تحتكره الوزراة، وتتحكم به وتقوم بقطعه عدة ساعات في اليوم بطلب من جهات حكومية أخرى، مرة بحجة الامتحانات – وهو أمر مضحك بالفعل – واخرى بذرائع ليست أقل إثارة للسخرية. هو تعدٍ واضحٍ على حقوق الناس من مستهلكي الخدمة الذين تتعطل أعمالهم وتذهب مدفوعاتهم هباء، خصوصا مع انتشار عروض الخدمة المفتوحة مقابل مبلغ ثابت، فضلا عن ذلك، فان الانقطاعات التي يتعرض لها الكابل الضوئي تؤدي الى توقف الخدمة، وتصليحها يستغرق أياما واحياناً أسابيع عديدة، على طريقة القطاع الاشتركي وبطء اجراءاته وعدم اكثراث موظفين يأخذون رواتهم في كل الاحوال، دون محاسبة على تقصير.المضحك المبكي أن حجة الوزارة الدائمة في احتكار خدمة الانترنت وبناها التحتية واعطائها بسعر عال جدا، هي سعيها لتوفير رواتب موظفيها البالغ عددهم أربعاً وعشرين الف موظف أغلبهم بلا عمل حقيقي (بطالة مقنعة). هذا يعني في المحصلة ان رواتب هؤلاء تسرق من جيوب مستهلكي خدمات الاتصالات، لكنها أيضا اشتراكية عرجاء.





