ظلَّ بدر شاكر السياب، الشاعر، يستحضر جيكور (القرية) التي ولد فيها، حتى بعد أن غادرها الى مركز مدينتي البصرة وبغداد، بل وحتى بعد أن تغرّب عنها، مضطراً بفعل السياسة والمرض أو الوظيفة، ومثل ذلك فعل سعدي يوسف، الشاعر، بعد نصف قرن على مغادرة قريته بأبي الخصيب، ونجده كثيرا ما يستعيدها في قصيدة هنا أو بيت من الشعر، قصيرهناك، وليس في القضية خصيصة عراقية، إذ يفعل مثل ذلك كتّاب وشعراء وفنانون عرب وعراقيون وسواهم، من الذين سكنوا العواصم او غادروها الى المنافي، وانقطعت صلاتهم بالأمكنة التي ولدوا فيها بعد أن وجدوا الحياة ممكنة في المكان الآخر، هناك. وقد يكون العربي من أكثر الناس تعلقاً بالمكان الأول، وأشدهم حنينا إليه، وهذا ما نقرأه في الشعر والروايات وكتب أخر، ولعل أشهر ما قيل في هذا المقام ما كتبه أبو تمام: “…. ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ. كمْ منزلٍ في الأرضِ …/ وحنينه أبداً لأوّلِ منزلِ”. وهكذا نجد المكان متمكناً من حياة الانسان، الشاعر وغيره، وكنا في مرحلة من معرفتنا قد توقفنا طويلاً عند شعراء الجيل الأول في الحداثة العربية، وفي لبنان بخاصة حيث استحضروا الجبل والنهر والضيعة وعريشة الكرم. ونحن الى اليوم، ومعنا قوافل الحجيج الثقافي العربي نزور “بويب”، النهر الذي خلده الشاعر السياب، نستحضر حزنه ومياهه ونخيله ونبحث عن الأجراس التي ضاعت في قراره، في تذكار، غير منقطع، يشدنا إلى جمال الطبيعة والمعاني الكثيرة التي تخلفها في الذات الانسانية. قد يتسع الحيُّ الصغير في المدينة ويُمسي ضاحية كبيرة، بفعل التوسعة التي تشهدها المدينة، فالتغيير والإزاحة شأن من شؤون المدن في العالم أجمع، فتبنى العِمارة العالية مكان البيت الصغير، ويتحول الزقاق إلى شارع عريض، وتُستبدل المقهى بمبنى آخر، لكننا سنهتدي في الأخير إلى الموضع الذي كان ذات يوم، ونشير إلى حيث ولد وجلس ووقف ومات الشاعر والكاتب والفنان. غير أن الأمر مختلف تماماً في القرية، إذ أن زوال النهر، وتجريف النخيل والأشجار، وانغلاق الأفق، وضياع قطعة السماء الزرقاء، وما إلى ذلك من المحو لن يدلنا على شيء أبداً. زوال القرية زوال حياة كاملة، فلا خضرة ولا ماء ولا طيور ولا قناطر ولا زوارق ولا ولا. تحوّل البساتين إلى مساكن ومصانع ومحال يعني حلول الزلزال، والأشد من ذلك، هو وقوف الشاعر ومحبّي شعره وقراء كتبه في المكان (القرية) الذي كان، ومحاولتهم التعرف على ما كان قطعة من الجنة ذات يوم.

طالب عبد العزيز





