حسن العاني
حيث جرى الحديث عن 14 تموز، لا يمكن استحضار عبد الكريم قاسم بعيداً عن عواطفنا، كونه واحدا من الزعماء القلائل في تاريخ العراق الحديث الذي اجتمعت فيه مقومات الشخصية الجماهيرية المثالية سواء على الصعيد الوطني أم على الصعيد الانساني والاخلاقي، غير ان عواطفنا الخاصة ازاء الزعيم (الفرد) لا يمكن ان تنسحب على 14 تموز الحدث والمسيرة والعهد الجمهوري ولا تصلح ان تكون حكماً موضوعياً متعففاً عن الانحياز، قد تتباين آراؤنا كثيراً حول هوية العهد الملكي (وبعض هذا التباين يستند الى دوافع سياسية وليست واقعية) ولكن شئنا أم أبينا سنتفق في خاتمة المطاف على اننا أمام نظام ارسى دعائم القانون والدولة المدنية الى حد بعيد وشرع بوضع لمسات الحياة الدستورية والديمقراطية في صورتها الاولى التي تناسب طبيعة المرحلة يومها، وكانت تلك الصورة لو قدر لها البقاء قابلة للنمو والتطور والاتساع الى افاق أرحب، على الرغم من ملاحظاتنا على الكثير من الهفوات ومواطن الخلل التي عادة ما ترافق مرحلة التأسيس. اذن هو ليس دفاعاً عن النظام الملكي الذي تلطخت مسيرته غير مرة بأخطاء فادحة ولكن من باب الرحمة بالحقيقة أقول: ان العهد الجمهوري الذي افتتحته واقعة 14 تموز لم يقدم في طروحاته أية متغيرات نوعية جادة في مجال الديمقراطيات (حرية الصحافة والتعبير عن الرأي وتأسيس الاحزاب والانتخابات.. الخ) عما كان عليه الوضع في العهد الملكي ومع ذلك فان مشكلة النظام الجمهوري تعدت هذا الاطار الى ما هو اخطر حقاً عندما ارتكبت (خطيئة) العمر، فمنذ 1958 ولغاية 2003 اي على مدى 45 سنة تمت (عسكرة) الحياة حتى اصبحت هذه العسكرة عنوان العهد الجمهوري، فزعماء البلاد وقادة الانقلابات او الثورات جميعهم من العساكر عبد الكريم قاسم، عبد السلام عارف، عبد الرحمن محمد عارف، احمد حسن البكر ويوم تهيأت اول فرصة لزعامة مدنية تقود العراق (عبد الرحمن البزاز) استكثر العسكريون ذلك على البلاد وأطاحوا بالتجربة المدنية، بل حتى من لم يكن منهم عسكرياً وتولى زمام السلطة قلد سابقيه، فلبس البزة العسكرية ومنح نفسه أعلى الرتب، كما فعل صدام حسين وعزة الدوري، ويبدو ان هذه الخطيئة التي دفعت الشعوب ثمنها باهظاً لم تكن حكراً على العراق، فهذا ما شهدته مصر مثلاً، الزعامات العسكرية تتوارث السلطة عبد الناصر، السادات، مبارك ولا تخرج السودان وليبيا واليمن وغيرها عن مفهوم العسكرة المقيت ومن هنا نشأت حالة جديدة ، ففي الوقت الذي كان فيه (الشارع الملكي) يتنفس عبق الزهاوي والرصافي والجواهري والبصير والاثري والجادرجي والحبوبي ويوسف سلمان والسعدون وقادة ثورة العشرين انشغل الشارع الجمهوري بحكايات العساكروابطال الانقلابات فطفت على السطح اسماء العقيلي وسعيد صليبي وعارف عبد الرزاق وعبدالكريم الجدة والمهداوي وحردان والداوود وعلي حسن المجيد وحسين كامل، هؤلاء ورفاقهم كثر هم نجوم المجتمع الجمهوري بعد ان جعلت واقعة 14 تموز الطريق امامهم سالكة ومنذ 1958 ولغاية عامنا المبارك هذا، تراجعت سلطة العسكر الرسمية الجيش والشرطة التي كانت عماد الدولة في العهد الملكي لصالح العسكرة الحزبية التي تفتقر الى الغطاء الشرعي (مقاومة شعبية، حرس قومي، جيش شعبي، صحوة، مجالس إسناد.. الخ) حيث ادعت كل واحدة منها، أنها تحمي الشعب وتدافع عن الثورة ومكاسبها في حين لا يقع ضمن ذاكرتنا ومعلوماتنا ان العهد الملكي كان يمتلك تشكيلاً عسكرياً غير رسمي تابعاً لفرد او زعيم او حزب او حكومة. وفيما يحدثنا الدكتور كمال السامرائي طبيب العائلة الملكية في كتابه (حديث الثمانينات) أن فيصل الاول عانى الامرين لكي يحصل على سلفة حكومية قدرها 80 ديناراً لغرض السفر الى الخارج واجراء عملية جراحية لانه لا يملك اجور السفر والعلاج، فان صدام حسين الجمهوري حول خزينة الدولة الى خزينة شخصية، صرف منها مليارات على هواه في اثناء وجوده على رأس السلطة، وسرق منها مليارات في اثناء هروبه وفيما يذكر شيخ المؤرخين عبد الرزاق الحسني ان الملك كرمه بمبلغ 10 دنانير ارسلها مع نوري السعيد ولكن السعيد لم يعط المبلغ للحسني الا بعد ان وقع على وصل استلام بالمبلغ خشية ان يتهم بالتلاعب وعدم الامانة وهو رئيس الوزراء والسياسي الكبير فان الفساد المالي والاداري تفشى في العهد الجمهوري حتى أصبح ظاهرة وطال وزراء ومسؤولين كباراً. لا يصح السكوت بالتأكيد على اخطاء وخطايا العهد الملكي خاصة فيما يتعلق بسياسته الخارجية وبعض معاهداته سيئة الصيت، والدور الذي أوكله للاقطاع وكبار ملاكي الاراضي، ولكن بالمقابل لا يصح ان ننكر الجهد الواضح الذي قدمه النظام على مستوى بناء دولة مؤسسات حقيقية ودولة قانون ليس فيها فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى، فكانت الكفاءة تفرض نفسها وتجد فرصتها في الغالب وهي الحكم والحاكم وليس الانتماء الى العرق او الدين او المذهب من يتسيد موقع المسؤولية، ثم دعونا لا نسكت حيث لا يجوز السكوت عن خطايا خمسة عقود من العهد الجمهوري التي اثقلت مسيرته دولة العساكر والانقلابات وحكم العشيرة مرة والمذهب مرة اخرى والصيغة الدكتاتورية في اغلب المرات. ومع كل هذا وكل ما يمكن ان يقال فانا مع النظام الجمهوري وسيادة الحرية قلباً وموقفاً وقناعة ولكن من باب احترام التاريخ وهيبته، أرى ان العهد الملكي لم يأخذ حقه ولم ينصف، وتم التجني عليه فوق ما تحتمل الحقيقة ولذلك قلتها يوماً واكررها الان من جديد، ان مناسبة 14 تموز ظلت حكراً على ما بعدها، ولم يلتفت احد الى ما قبلها الا بعين السوء – اللهم الا استثناءات نادرة وخجولة وكأنها تهمة- مثلما أرى ان من واجب الجميع الاحتكام الى الواقع والاحداث والظروف والمرحلة لكي يأخذ كل ذي حق نصيبه، وبخلاف ذلك سنبقى نكتب التاريخ على اهواء العصر ورغبات السلاطين.






