رفض السيد لويس ساكو والكنيسة الكلدانية لحضور اجتماع بروكسل لمناقشة أوضاع المسيحيين في العراق، موقف وطني يستحق الإكبار والتقدير لما تضمنه من شعور بالمسؤولية تجاه الوطن وهو يمر بلحظة تاريخية حرجة تتصاعد فيه الأصوات من هنا وهناك للبحث عن حلول لدى القوى الخارجية من أجل الخلاص!. ومع انجلاء زوبعة داعش السوداء بدأت تتكشف المواقف لدى القوى السياسية والشخصيات وما تحمله من أهداف بعضها يبشر بمجيء مرحلة جديدة تتناسب وحجم التضحيات الباهظة والمقدسة من أرواح زكية ومعالم حضارية وأموال هائلة أنفقت ولا تزال تنفق، وبعضها الآخر يبعث على الأسى ويكشف عن غياب الهوية الوطنية وتهافت في الخطاب من أجل أمجاد شخصية وحزبية متوهمة بنيت على جراحات العراق وشعبه، وشجعت عليها قوى أجنبية لا تريد لهذا البلد أن ينهض من جديد، طمعاً في ثرواته وكراهية لما يمثله من قوة إقليمية فاعلة في موازين القوى، ومع أن الكفة الراجحة التي تنطق بلسان حال غالبية العراقيين هي الأقوى، الا أن تجربة داعش والأدوار التي لعبتها بعض الحكومات والشخصيات تدعونا الى الحذر مما ظل مستتراً من المخططات التي تتجاهل آمال العراقيين وتواصل جهدها لتدمير وحدة المجتمع العراقي وحرمانه من بلوغ حالة الاستقرار السياسي، والانتفاع من ثرواته العظيمة التي تؤهله للتقدم والرفاه. لا أحد بمقدوره القول أن الدولة العراقية بخير، وأن السياسيين العراقين عملوا ما يتوجب عليهم تجاه مواطنيهم ورسخوا مبدأ المواطنة والعدالة ووو. ولكن كل هذه الاخفاقات والخسائر ليست مبرراً للانتحار الوطني والأخلاقي وتسليم مقدرات العراق ومصير شعبه للقوى الخارجية، فطيلة السنوات الماضية كان الجميع يدرك أن وراء الإرهاب وعملياته الإجرامية قوى دولية تؤمن له التمويل والدعم الإعلامي، وما كان للتفجيرات التي تقتل العراقيين أن تمضي على هذا النحو طيلة كل هذه السنوات لولا وجود تلك الأموال المدموغة بالدم، والتنسيق المشبوه بين الإرهابيين ومخابرات بعض الدول المعادية للنظام في العراق. كل هذه التعقيدات في المشهد العراقي والتدخلات الإقليمية لم تستطع القضاء على الحلم العراقي لدى الكثير من العراقيين الذين تشبثوا بأرضهم وإيمانهم بإمكانية الإصلاح والقضاء على الإرهاب، وما حدث في الموصل يؤكد كلا الحالتين فمع وجود الفاسدين والإرهابيين الذين سلموا المدينة لعصابات داعش الإجرامية، هناك مقاتلو القوات الأمنية والقوى الشعبية المساندة لهم الذين استطاعوا تحرير المدينة ودحر الإرهاب، وقدموا بأدائهم البطولي والوطني درساً كبيراً يمكن أن يضع العملية السياسية كلها على الطريق الصحيح، فقد أثبت هؤلاء المقاتلون أن ثقافة الطائفية والانقسام المجتمعي ليست الخيار الوحيد، وأن الوحدة الوطنية ليست حلماً بعيد المنال بل هي واقع تاريخي يعيشه العراقيون بشكل تلقائي في حياتهم اليومية، ولا شك ان موقف السيد لويس ساكو والكنيسة الكلدانية مثال حقيقي لما تنطوي عليه قلوب غالبية العراقيين، إنه صوت الحكمة الذي يدرك أن الخلاص العراقي يكمن في داخل النفوس والوطن ولا يمكن أن يأتي من الخارج!.
ناظم محمد العبيدي





