ارتكزت الانتهاكات الإسرائيلية فى المسجد الأقصى على تقديرات متفاوتة للوضع فى القدس والوضع الإقليمى والعربى عامة وأخرى تتعلق بالوضع الداخلى فى إسرائيل، على الصعيد الأول العربى والإقليمى فالتصور الإسرائيلى أن القوة العربية تتآكل وأن العالم العربى مشغول بمصيره أكثر مما هو مشغول بالقضية الفلسطينية والأقصى وأن الدول العربية فى المحيط المجاور لإسرائيل سوريا ولبنان والعراق تواجه مشكلات عديدة وهمها الأساسى الحفاظ على وجودها ومواجهة أعباء مقاومة الإرهاب والطائفية الدينية، ومن ثم فإن ردات الفعل العربية لا تستطيع لجم الانتهاكات الإسرائيلية وتفتقد المصداقية والفاعلية ويمكن لإسرائيل مواجهتها واحتوائها على نحو ما فعلت مراراً وتكراراً، أما على الصعيد الداخلى فإن الحكومة والمعارضة على حد سواء تطمح إلى السيطرة على الأقصى وفرض السيادة الإسرائيلية عليه وتغيير الوضع القائم منذ عام 1967 والذى أقره موشى دايان عندما كان وزيرا للأمن الداخلى فى غضون الأسابيع الأولى للاحتلال الإسرائيلى والذى تقرر بموجبه أن يكون حائط البراق- الذى تطلق عليه الدوائر الصهيونية والإسرائيلية حائط المبكى- مكانا لصلاة اليهود وأن يبقى الحرم الشريف مكانا لصلاة المسلمين وحدهم وتحت إشراف الوقف الإسلامى، ويسمح لليهود وفق هذا الوضع بالدخول إلى الحرم الشريف فى الساعات المخصصة لدخول السياح الأجانب دون دفع الرسوم التى يدفعها السائحون، وظل الإشراف الداخلى فى الحرم الشريف وعلى أبوابه بيد الوقف الإسلامى، فى حين أن باب المغاربة المقابل لحائط البراق وضع تحت السيطرة الإسرائيلية.
وفى السياق ذاته فإن المجتمع الإسرائيلى ينحو نحو المزيد من الانغلاق والتطرف والتشدد إزاء كل ما يتعلق بالحرم الشريف ففى استطلاع جرى عام 2013 تبين وجود أغلبية كبيرة فى صفوف الرأى العام الإسرائيلى التى تؤيد تغيير الوضع القائم فى الحرم الشريف، حيث كانت نسبة من يؤيدون ذلك 59% من المجتمع الإسرائيلى كما يؤيدون أن تقوم إسرائيل بفرض تقسيم زمانى ومكانى فى المسجد الأقصى بين اليهود والمسلمين، على غرار ما فرضته فى الخليل فى الحرم الإبراهيمى، فى حين أن 23% فقط يعارضون ذلك، كما أوضح هذا الاستطلاع أن ثلث الإسرائيليين يؤيد بناء الهيكل الثالث فى الحرم الشريف فى حين يعارض ذلك 45%، كما أن غالبية كبيرة من الصهيونيين الدينيين يريدون دخول الحرم الشريف.
وقد طال هذا التغير موقف محكمة العدل العليا الإسرائيلية التى كانت حتى منتصف الثمانينيات تصر على عدم الاستجابة لطلب الجماعات الدينية اليهودية المتمحورة حول «الهيكل» بدخول المسجد الأقصى والحرم الشريف والصلاة فيه ولم تصدر أوامر للشرطة تلزمها بتطبيق «قانون الأماكن المقدسة» بعد 1967، الآن وبعد ما جرى من تطورات فى الداخل الإسرائيلى أكدت هذه المحكمة حق اليهود دخول الحرم الشريف بفرض الصلاة استناداً إلى الحقوق الدينية والتاريخية لليهود وربطت ذلك بضمان الشرطة لسلامة الجمهور والأمن العام، وذلك يعنى أن إقرار المحكمة لهذا الحق يتوقف على عدم قدرة الشرطة بإقناع المحكمة بأن ممارسة هذا الحق يعرض الجمهور والأمن العام للخطر.
هذه التطورات السياسية سواء تعلق الأمر بالحكومة أو المعارضة أو المحكمة العليا الإسرائيلية، هى نتيجة تراكم عبر العقود الماضية من نشاط الجماعات الاستيطانية الدينية «جوش إيمونيم» وكذلك العديد من الجمعيات الدينية التى ارتبطت وحملت اسم «الهيكل» مثل حركة «أمناء جيل الهيكل» «ومعهد الهيكل» و«الحركة لبناء الهيكل» وغيرها من الحركات والتنظيمات الدينية الأصولية المتطرفة التى تتبنى رؤية دينية تتلخص فى أن إقامة الهيكل الثالث مدخل للخلاص وظهور المخلص وأن إقامة هذا الهيكل ينبغى أن تكون فى الحرم الشريف حيث توجد بقايا الهيكل، وهذه الجماعات تمتلك رأسمال رمزيا ودينيا وإعلاميا مؤثرا فى اتجاهات الرأى العام الإسرائيلى وتتفق مع الدعاوى الاستيطانية فى «أرض إسرائيل» وتتلقى دعما ماليا يهوديا من رموز الجاليات اليهودية الأمريكية وأغنيائها.
لقد واجه الفلسطينيون والمقدسيون تلك السياسات بصدورهم العارية ومن خلال الاحتجاج والرفض والإصرار على بقاء الأقصى وتحريره من قبضة الاحتلال ونجحوا فى ذلك وحملوا الحكومة الإسرائيلية على التراجع، ويعلم المقدسيون والفلسطينيون أن المعركة وإن كانت تدور حول الأقصى إلا أن الهدف أكبر من ذلك، ألا وهو إتمام السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية والمقدسات الإسلامية والدينية عامة فالأقصى رغم أهميته الدينية والرمزية فهو مجرد مدخل لاستكمال حلقات السيطرة الصهيونية والإسرائيلية على القدس الشرقية وفرض التصور الإسرائيلى للسلام.






