عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي
عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي

التاريخ والسياسة

المقالات 29 سبتمبر 2017 0 253
التاريخ والسياسة
+ = -

 

 
التاريخ والسياسة
حسن العاني

نعم لانني عراقي لا استطيع منع نفسي من الانحياز الى وطني، والانحناء عشقاً حتى أمام ” برحية” بصراوية أحرقتها الحروب، أو أمام شجرة بلوط ذابلة فوق قمة (سفين)، ولكن العراق بعيداً عن انحيازي له وتعلقي به، يستحق الانحناء، فهو من عينه الى قافه نقاط ضوء ساطعة تدعو الى الفخر والمباهاة، لأنها أبهرت العالم وجعلتنا موضع غيرة وحسد مرة، وفي المرات كلها موضع اعجاب.. التاريخ ليس نقطة الضوء الوحيدة، ولكنه أكبر الشهود عمراً، وأعظمهم دلالة وحضوراً، وأكثرهم امتلاكاً للوثائق الحية والمستمسكات الثبوتية، إنه الزقورة والجنائن المعلقة وحضارة آشور، وصاحب العجلة والحرف المسماري ومسلة القوانين والمدرسة الاولى وأرض السواد والقيثارة، ورائد النحت والفن والزخرفة، وموطن العلم والعلماء والشعر والشعراء، ومع ذلك فلا شيء جلب التعاسة للعراق غير تاريخه، منذ اللحظة التي آلت المقاليد فيها الى السياسة، ولا شيء مثلها طمس الحقائق او حرفها او تجنى عليها، وليست السياسة الا مواقف تجمعات او كتل او احزاب تنطلق من خلفيات قومية شوفينية، أو دينية متزمتة، أو مذهبية طائفية، او يسارية مراهقة، سواء كان ارباب هذه الخلفية في مركز السلطة ام خارجها! واذا كانت السياسة قد طالت بلعنتها مفاصل التاريخ، فان اللعنة الاكبر كانت من نصيب (الرموز) الذين هم موضع اعتزاز في اي بلد، الا العراق، الا ترون على سبيل المثال، كم نفتقر الى رموز وطنية، نقيم لها التماثيل او نحتفي بها، او نحافظ على ارثها وتراثها، وان كانت قلم كتابة او بيتا عتيقاً او مخطوطة او سرير نوم، لقد مضى العهد الملكي الى دار الاخرة، فماذا بقي للاجيال اللاحقة من مقتنياته، اين عقال فيصل الاول وطائرة غازي وسيارة فيصل الثاني؟ بل اين عمائم ثوار العشرين وبنادقهم ومنازل اجتماعاتهم السرية؟ وماذا فعلت السياسة بعد 1958 الا ان لعنت تاريخ سابقيها واذابته بالتيزاب؟ واين عبد الكريم قاسم بعد 1963 وبدلته المضرجة بالدماء وقلمه الذي كان يوقع به مراسيم الاعفاء؟ ثم اين قصور صدام حسين وممتلكاته النفيسة التي يمكن ان نقيم بها اعظم متحف لأسوأ دكتاتور، سيكون محط انظار الزوار والسياح..الخ! السياسة أهانت التاريخ لأنها اكتفت بكتابة تاريخها القائم، وكل ما سبقه رجس من عمل الشيطان ويستحق الرجم والدفن حيا، لم يسلم احد من يدها الطويلة الا المستقبل، لأنها كانت ومازالت، لا تفكر بالغد وحساباته ولغته كما تفعل السياسة في البلدان المتحضرة، بل تكتفي باغراءات (الحاضر) ونغنغته وغنائمه، ولهذا داهم المؤمنون بالمستقبل اعماق الارض والبحار والمحيطات، وغزوا القمر والمريخ والفضاء، اما نحن سجناء الحاضر والمتنعمون بنعيمه فانشغلنا بمداهمة الناس وغزو بعضنا البعض، والانتقام من تواريخ الامس!!

شاركنا الخبر
احدث الاضافات
آخر الأخبار