فما نتج عن حرية الاختيار هو الامعان بالانقياد للتعصب المذهبي والقومي، وذلك، كما يرى القاصي والداني، لم يخدم البلاد والعباد. اقتربت الانتخابات وما زلنا نراوح بطريقة “محلك سر”، وإذ لم تتغير قواعد اللعبة الانتخابية فسنجد انفسنا أمام معضلة “إلى الوراء در”. فمنذ قرابة عقد ونصف ونحن في دوامة كيفية التصرف بالحرية الممنوحة دستورياً والمصادرة ميدانياً من خلال: مفوضية انتخابات ممثلة للاحزاب وبالتالي غير مستقلة، تقييد ارادة الناخبين و انصياعهم لخيارات طائفية وقومية ومناطقية وهي خيارات غير وطنية، نخبة مدنية ومدينية صغيرة عاجزة عن التأثير في السواد الاعظم من الشعب وهو سيد صناديق الاقتراع.. فهل من مخلص من هذه الدوامة المفتتة للوطن وللمواطن؟ لقد حدد الإمام علي (عليه السلام) مشكلة الامة بأنها ناجمة عن آفتين هما: التعصب والجهل حين قال: ولقد نظرت فما وجدت أحداً من العالمين يتعصّب لشيء من الأشياء إلّا عن علّة تحتمل تمويه الجهلاء، أو حجة تلبط بعقول السفهاء! .. وقد دلتنا تجارب الانسانية مشروعية الربط ما بين التعصب والجهل، فعندما يجتمعان تغيب منافع الحرية. وقد حدد عصر التنوير مفهوم الحرية وربطه بشرط التخلص من التعصب للعقيدة والفكرة والتخلص من التعميم والأحكام المسبقة. وحري بنا اليوم، ونحن نرنو الى مستقبل سياسي أفضل، الاطلاع على محاولات التجهيل التي تقوم بها جهات خارجية وداخلية لإبقاء الحال على ما هو عليه، وبخاصة بعد ظهور ما سمي بـ “علم الجهل” الذي ابتدعته وزارة الدفاع الامريكية في التسعينيات من القرن الماضي من خلال تطويرها لمفهوم “ادارة الفهم” . وعلم الجهل، كما يعرفه روبرت بروكتور، هو العلم الذي يدرس صناعة ونشر الجهل بطرق علمية رصينة، يعتمد فيها على تضليل استراتيجي ممنهج مبني على ثلاث قواعد هي: اثارة الشكوك، بث الخوف، صناعة الحيرة، لمصلحة اصحاب النفوذ من القوى الداخلية والخارجية. والحرية والجهل متناقضان كمثل العقل والجنون.. كان استاذي المرحوم الدكتور مصطفى زيور رئيس عيادة الأمراض النفسية بكلية الطب بجامعة باريس يردد في الستينيات من القرن الماضي “ان في الجنون عقل” إشارة الى امكانية عقلنة الجنون. واليوم يردد الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا “ أن تصور الجنون بوصفه لا عقلاً قد تصدع”.. والجنون كما درسناه هو دخول الفرد الى دائرة اللا الوعي، وبالتالي خروجه من منطقية العقل الى ترهات اللا عقل .. بيد ان هناك من يقول بأن الجنون هو السلاح الأقوى لدى أهل العقل. ومن الملاحظ لدارسي تاريخ الحضارات اليوم ان عقل غالبية العراقيين صانعي المنجزات الحضارية (الكتابة، والقوانين والديانات والفلسفات وسحر دائرة الخلود) غادر موقعه الى دائرة اللاوعي، ولن يقود شغف العراقي بالحرية الى نيل منزلة المواطنة التي ينشدها فكراً وممارسة والتي تفتح له ابواب العدل والاخاء والرخاء، لأن الحرية، كما اسلفنا، مرتبطة بالوعي ولا تتحقق بالجهل المنافي لها، لذلك فإن خشيتنا كبيرة ان تنتصر في الانتخابات المقبلة من جديد الامية واللامسؤولية على الحرية وفكرة المواطنة، ويفوز الجهل على المعرفة، والتعصب على التنوير وهو ما حدث في الانتخابات السابقة التي صوت الناس فيها لعدد من الانتماءات وليس للجدارة والامانة والكفاءات. وحصدوا ما زرعوا من فساد في كل المؤسسات وهدر للثروات وترد في الخدمات وتخلف تربوي وتعليمي وصحي وبات الجيران والاعداء يتندرون على بؤس ما نحن عليه . يحدونا الأمل ان نتقدم ولو بخطوة فالرحلة طويلة وعراقنا المنتصر لن يهزم.

د . قيس العزاوي
ونحن نستعد لانتخابات تشريعية جديدة لن يتغير موعدها، كما وعد السيد رئيس الوزراء، يتعين علينا أن نمعن النظر في ما نحن عليه مقبلون، فالأمل يحدونا بعد الانتصار على الظلامية الارهابية ان ننتصر على الجهل والخضوع للعصبيات صحيح أن حرية الاختيار مضمونة دستورياً، ولكنها مقيدة في الوقت نفسه، لكونها مرتبطة بوعي السواد الاعظم من العراقيين، ونعني الوعي بقيمتها كمسؤولية وطنية، وهو ما لم تثبته التجارب الانتخابية السابقة.. ..





