عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي
عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي

معركة لا تُسمع فيها المدافع

المقالات 10 سبتمبر 2026 0 1
معركة لا تُسمع فيها المدافع
+ = -

المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة

صباح النعمان

ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليكرام

 

تخيلوا خصما لا يرابط على ساتر، ولا يترك أثرا لقدمه في الصحراء، لكنه يستطيع بكبسة زر خاطفة في ظلام الشاشات أن يطفئ أنوار مدينة كاملة، أو يُعطل حركة الملاحة، أو يمسح السجلات المصرفية والبيانات السيادية لبلد بأكمله!

هكذا تتغير مفاهيم خوض الحروب وموازين الردع الاستراتيجي، إذ تدور اليوم في الخفاء معارك أشد ضراوة وقسوة وأعمق أثرا، لا تُسمع فيها أصوات المدافع ولا تُرى فيها أعمدة الدخان، غير أنها تمتلك القدرة على شل مرافق الدولة الحيوية واختراق قلب أمنها القومي.

إنها حرب الفضاء الرقمي، اذ أضحت السيادة السيبرانية المرتكز الأساس وخط الدفاع الأول لحماية كيان الدولة.

إن الشفرات البرمجية والبيانات المخزنة في خوادم المؤسسات، أضحت هدفاً لا يقل أهمية عن الموانئ والقواعد العسكرية، التي تُدرج ضمن بنك أهداف الجهات المعادية.

إن تحوّل العالم نحو أتمتة المنظومات يفرض على العراق خوض هذه المواجهة غير المرئية بتدبير استباقي، فحماية الحدود الوطنية لم تعد تقتصر على مراقبة الشريط البري الحدودي بسياج كونكريتي أو خندق مائي أو أسلاك شائكة أو حراسة المجال الجوي، إنما تمتد لتشمل توفير حائط صد رقمي مانع يحمي البنى التحتية الحساسة، وشبكات الاتصالات، والمنظومات المالية والإدارية من اختراقات عابرة للقارات تُدار بكواليس الغرف المعتمة.

تخوض القيادة العامة للقوات المسلحة هذا التحدي برؤية استراتيجية شجاعة تستثمر في طاقات العقول العراقية الشابة والكفاءات التخصصية.

إن إنشاء مراكز الردع الرقمي وتطوير منظومات الاستجابة السريعة لم يعد ترفا تقنيا، إنما ضرورة حتمية لحماية أسرار الدفاع الوطني وتتبع التهديدات في أعمق طبقات الفضاء المظلم قبل أن تتحول إلى كوارث واقعية.

نحن لا ننتظر الهجوم لنعالج آثاره، إنما نقرأ النوايا البرمجية المشبوهة ونستشرفها في مهدها ونبطل فاعليتها.

ولأن التعليم في الصغر كالنحت على الحجر، تتكامل هذه الرؤية الوطنية مع جهود وزارتي التربية والتعليم العالي والبحث العلمي عبر استحداث فروع ومناهج تخصصية تُهيئ أجيالاً واعية لمخاطر الفضاء الرقمي، إلى جانب تدريب الكوادر في المؤسسات وتأهيلها لدرء التهديدات المستقبلية.

إننا نواجه عصرا تُدار فيه حروب الإنابة بأصابع غير مسموعة ولا منظورة، مما يجعل الوعي المبكر سلاحا بحد ذاته.

تكتمل قوة هذه المنظومة بحس المواطن وشعوره بالمسؤولية الوطنية، فالحلقة الأضعف في أي جدار أمني قد تكون كلمة سر تسربت بغفلة أو تعاطيا غير محسوب مع المنصات الرقمية، بقصد او دونه.

القوة الوطنية في عصرنا الراهن تُقاس بمقدار حصانة الدولة أمام الغزوات الرقمية الشرسة، وستبقى قواتنا المسلحة بعقيدتها الحديثة العين الساهرة في الميدان الشاخص وعلى شاشات المواجهة غير المرئية، صونا لاستقلال العراق وسيادته الكاملة.

شاركنا الخبر
احدث الاضافات
آخر الأخبار