بناء الاقتصاد الحديثياسر المتولي
تحدثنا في مقال سابق عن محاولة الحكومة رسم مسار جديد نحو تأمين الاستقرار الاقتصادي، في مقال حمل عنوان «وجهة الاقتصاد العراقي القادمة في ظل الأوضاع الراهنة»، تناولنا فيه أبرز التحديات التي تواجه الحكومة في تنفيذ برنامجها الإصلاحي، في وقت يواجه فيه العراق بوادر أزمة مالية غير معهودة.
ولذلك، لا بد من اقتراح الحلول اللازمة، حتى لا تقتصر مقالاتنا على تشخيص المشكلات واستعراض التحديات، من دون تقديم حلول تستند إلى رؤية اقتصادية سليمة قادرة على تجاوز آثار هذه التحديات.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى مبادرة الحكومة الخاصة بتشكيل صندوق العراق للطاقة والتنمية بوصفها نقطة انطلاق مهمة، شريطة أن يجري توظيف الصندوق ضمن رؤية اقتصادية واضحة، تقوم على تمويل المشاريع الإستراتيجية، وتحفيز الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وخلق مصادر جديدة للنمو والإيرادات، بما يضع الاقتصاد العراقي على طريق أكثر استدامة وتنوعاً.
ولما كان العراق يمتلك الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي المتميز، والطاقات البشرية التي تؤهله لبناء اقتصاد حديث ومتنوع، فإنه يحتاج، قبل كل شيء، إلى قرار اقتصادي شجاع وإرادة تنفيذية تتجاوز التعقيدات والعوائق التقليدية التي أعاقت، لسنوات، تحقيق التحول الاقتصادي المنشود.
فالمطلوب اليوم ليس انتظار انتهاء الأزمة، وإنما البدء ببناء اقتصاد قادر على تجاوزها، من خلال الانتقال التدريجي من الاعتماد المفرط على الإيرادات الريعية إلى اقتصاد منتج تتعدد فيه مصادر الدخل والاستثمار.
وليكن صندوق العراق للطاقة والتنمية شرارة لإعادة بناء الاقتصاد الحديث، وإرساء قواعد ازدهاره، والانطلاق نحو وجهة اقتصادية جديدة أكثر استقراراً واستدامة. غير أن بعض الأحداث والتطورات الداخلية انعكست، على ما يبدو، على تأخر المباشرة في تشكيل الصندوق، في وقت يمكن أن يمثل فيه نموذجاً مهماً من نماذج الحلول الاقتصادية المطلوبة. وإن أي تأخير في إنشائه وتفعيل دوره قد يعني، في ظل الظروف الحالية، مزيداً من إضاعة الوقت وتأجيل فرص ثمينة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية.
إن الحاجة تقتضي اليوم من الجميع شد أزر الحكومة في توجهاتها الهادفة إلى تنفيذ المسار الصحيح لتحقيق التنمية المطلوبة، ودعم جهودها الرامية إلى تقليل الآثار التي تخلفها الأوضاع السائدة في المنطقة والعالم، والحدِّ من تداعيات الأزمة المالية التي بدأت تبرز بصورة أكثر وضوحاً.
وتشير الوقائع إلى أن أفق انفراج أزمة مضيق هرمز ما زال غير واضح، فيما تتزايد الإجراءات والتدابير الرامية إلى مواجهة تداعياتها، الأمر الذي ينذر بمخاطر اقتصادية كبيرة تستوجب الإسراع في تنفيذ الخطوات الحكومية المعلنة، ولا سيما في مجال إيجاد بدائل حقيقية للإيرادات الريعية التي ظل الاقتصاد العراقي يعتمد عليها بصورة كبيرة، والتي كشفت الأزمات المتتالية عن مدى هشاشتها وتأثرها بالتطورات الخارجية.
ومن هنا، فإن تفعيل الاتفاقيات والتفاهمات مع الولايات المتحدة وتركيا وغيرها من دول العالم أصبح حاجة ملحة، ليس فقط لدعم المشاريع التنموية، وإنما أيضاً لجذب الاستثمارات العالمية وتوفير الخبرات والتكنولوجيا والتمويل اللازم لتنفيذ برامج التنمية. ولا بديل أمام العراق عن الانفتاح الاقتصادي المدروس، وتوفير البيئة المناسبة للاستثمار، وتفعيل الشراكات الدولية، بما يحقق مصالحه الوطنية ويعزز قدرته على مواجهة الأزمات والتقلبات الإقليمية والدولية.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب من الجميع إدراك حجم التحديات وتحمل آثارها المحتملة، في حال استمرار الأوضاع الراهنة وعدم انفراجها، بعيداً عن الخلافات التي قد تعيق اتخاذ القرارات الاقتصادية الضرورية.
المطلوب الآن هو ترك الخلافات جانباً، والتركيز على دعم خطوات الحكومة في تنفيذ مشروع طريق التنمية، والعمل على جذب الاستثمارات اللازمة، .
ونحن نثق بقدرات العراقيين، وبمدى قدرتهم على تحمل الظروف الصعبة والصمود أمام التحديات، كما نثق بأن الإرادة الوطنية والعمل المشترك قادران على فتح الطريق أمام مرحلة اقتصادية جديدة أكثر استقراراً ونمواً.
والفرج، لا ريب، قادم.

