عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي
عقيل جمعه عبد الحسين الموسوي

كيف ساعدت السعودية «داعش» في العراق؟

الاخبار 08 ديسمبر 2015 0 253
كيف ساعدت السعودية «داعش» في العراق؟
+ = -
 

 


 

08/12/2015 08:56

 بقلم باتريك كوكبرن ترجمة – أنيس الصفار*

تحت هذا العنوان نشرت صحيفة «الاندبندنت» اللندنية تقريرا مهما قبل اكثر من عام بقلم الكاتب المعروف بانريك كوكبرن، كشف فيه عن مؤشرات خطيرة عن الدور السعودي في مد تنظيم «داعش» الارهابي، وبالنظر لخطورة المعلومات الواردة في التقرير وظهور علائم جديدة واضافية لتورط السعودية في دعم هذا الوحش الارهابي، فقد اعادت الصحيفة اللندنية نشر تقريرها منذ يومين ووضعت مقدمته على صفحتها الاولى .. و«الصباح» بدورها تعيد نشر هذا التقرير بعنوانه ومعطياته. وفي الاتي نصه:

ما مدى تورط السعودية في استيلاء «داعش» على أجزاء كبيرة من شمال العراق، وهل هي بصدد إذكاء صراع بين الشيعة والسنة في عموم العالم الإسلامي؟ قبل أحداث 11 أيلول بقليل دارت بين الأمير بندر بن سلطان، الذي كان ذات يوم سفيراً للسعودية لدى واشنطن ورئيساً لجهاز المخابرات السعودي، والسير «ريتشارد ديرلوف» رئيس جهاز المخابرات البريطانية السرية المعروف باسم «أم آي 6» محاورة كشف فيها الأول للثاني عن معلومات تنطوي على نذر خطيرة. قال له الأمير بندر: «لن يطول الأمر بالشرق الأوسط كثيراً يا ريتشارد حتى نقول كان الله في عون الشيعة. فأكثر من مليار سني قد طفح بهم الكيل منهم.»

ويبدو أن اللحظة الموعودة التي كان يتحدث عنها الأمير بندر قد وقعت الآن على كثير من الشيعة، وللسعودية دور مهم في وقوعها من خلال دعمها الجهاد ضد الشيعة في العراق وسوريا. فمنذ استيلاء «داعش» على الموصل في 10 حزيران 2014 تعرضت النساء والأطفال من الشيعة للقتل في القرى الواقعة جنوبي مدينة كركوك، وتم إعدام طلبة القوة الجوية من الشيعة ودفنهم في قبور جماعية بالقرب من مدينة تكريت.

في الموصل يتم تفجير الأضرحة والمساجد الشيعية، وفي مدينة تلعفر التركمانية الشيعية القريبة استولى مقاتلو «داعش» على 4 آلاف دار معتبرين إياها «غنائم حرب». مجرد وصف المرء بأنه شيعي أو أي وصف قريب من ذلك، اليوم فيه من الخطر عليه ما كان على من يوصف بأنه يهودي في المناطق الأوروبية التي وقعت تحت سيطرة النازيين في 1940.

واشار السير ديرلوف، الذي كان رئيساً لجهاز المخابرات البريطاني «أم آي 6» للفترة من 1999 إلى 2004، خلال حديثه في المعهد الملكي للخدمات الموحدة الى أهمية ما قاله الأمير بندر ووصفه بأنه تصريح مفزع لا يزال يتذكره بكل وضوح، على حد تعبيره.

التمويل السعودي والقطري

وأضاف ديرلوف أنه لا يداخله أدنى شك بأن التمويل الضخم المتواصل الذي يقدمه متبرعون مستقلون في السعودية وقطر، والذي تغض السلطات النظر عنه، قد لعب دوراً مركزياً في الانتفاضة التي شهدتها المناطق السنيّة في العراق. ويبدو هذا القول متفقاً مع الواقع لأن الزعامات العشائرية والمحلية في المحافظات ذات الأغلبية السنية تشعر بأنها تدين بالكثير للسعودية وباقي الممولين الخليجيين ولذلك يستبعد منها أن تتعاون مع «داعش» من دون أخذ موافقتهم.

الأمر المثير للاستغراب هو أن تصريحات بندر لـ «ديرلوف» تلك عن يوم الحساب الذي ينتظر الشيعة، وكذلك اعتقاد رئيس المخابرات البريطانية السابق بأن السعودية لها يد في الحركة المسلّحة التي قادها «داعش»، لم تثر اهتماماً يذكر بل انصرف التركيز بدلا من ذلك إلى موضوعة أن الخطر الذي يشكله «داعش» على الغرب مبالغ فيه لأن هذا التنظيم، على خلاف تنظيم القاعدة، يركز على المسلمين فقط. بيد أن المسيحيين في المناطق التي استولى عليها «داعش» يرون بأم أعينهم أن هذا مجاف للحقيقة، فكنائسهم تدنس وهم يرغمون على الفرار من مناطقهم. أما الفرق الحقيقي بين القاعدة و»داعش» فهو أن الأخير أفضل تنظيماً، لذلك فإن النتائج ستكون أشد وبالا إذا ما هاجم التنظيم أهدافاً غربية.

توعدات بندر، التي نصّت على أن 100 مليون شيعي في الشرق الأوسط سوف تحل بهم الكارثة على أيدي الأغلبية السنية، من شأنها إقناع كثير من الشيعة بأنهم ضحايا حملة تقودها السعودية لمحوهم. وهم لا يرون أن الخطر محصور في الجانب العسكري بل هو نابع من النفوذ المتزايد للوهابية على عموم السنّة. ومن المعلوم أن الوهابية، وهو المذهب الذي تعتنقه السعودية، يدين الشيعة وغيرهم من الطوائف الإسلامية ويعتبرهم كفرة مارقين.

التفكير السعودي

يعتقد ديرلوف، استناداً إلى خبرته السابقة، أن التفكير الستراتيجي السعودي يشكله معتقدان راسخان، الأول هو اقتناعهم بأن من غير المسموح أو المشروع أن يشكك أحد في مؤهلات الوهابيين لأن يكونوا أوصياء على أقدس أضرحة المسلمين. والثاني، وربما كان الأكثر أهمية، هو اعتقاد السعوديين بأنهم فقط ولا أحد غيرهم من يمتلك الحقائق الإسلامية، وهذا الاعتقاد يجعلهم ينجذبون بقوّة نحو أية حركة متشددة من شأنها تحدي المذهب الشيعي.

لقد دأبت الحكومات الغربية على التقليل من شأن العلاقة بين السعودية والفكر الوهابي، ولكن هذه العلاقة قائمة وليس في الأمر سر أو مؤامرة، فخمسة عشر شخصاً من أصل التسعة عشر الذين اختطفوا الطائرات في 11 أيلول كانوا سعوديين، وكذلك كان بن لادن ومعظم ممولي العملية.

ولكن كان هنالك دائماً طرح ثان للسياسة السعودية تجاه أنماط الجهاد التي تحذو حذو القاعدة، وهذا الطرح قد يتنافى مع ما صرح به بندر لأنه يرى في هذه الحركات خطراً يهدد المملكة نفسها. هذا الموقف جعل السعودية تتبنى سياستين في آن واحد، فهي من جهة تشجع الحركات المتطرّفة خارج المملكة وتدعمها باعتبارها سلاحاً مفيداً في يد السعودية ضد النفوذ الشيعي، ولكنها من جهة أخرى تقمعها في الداخل باعتبارها خطراً يهدد النظام القائم. إلا أن ما حدث في السنة الماضية يدل على أن هذه السياسة المزدوجة قد انهارت.

السعودية والحركات المتطرفة

تعاطف السعودية مع الحركات المتطرّفة التي تعادي الشيعة وردت عليه إشارات في الوثائق الرسمية الأميركية المسرّبة. ففي كانون الأول 2009 كتبت وزيرة الخارجية السابقة «هيلاري كلنتون» في برقية نشرها موقع «ويكيليكس» تقول:»تبقى السعودية قاعدة التمويل الأساسية لتنظيمات القاعدة وطالبان ولاشكر طيبة وغيرها من الجماعات الإرهابية.» وتضيف كلنتون في برقيتها أن السعودية لم تتحرك ضد القاعدة إلا بعد أن رأت فيها تهديداً داخلياً وليس بسبب نشاطاتها في الخارج.»

ربما كانت هذه السياسة آخذة بالتغير الآن بعد إقصاء الأمير بندر عن منصب رئيس المخابرات، ولكنه تغير قريب وقد يكون متأخراً. فالمشكلة التي يواجهها السعوديون منذ أن ترك بندر منصبه هي أن محاولاتهم لبناء شريحة سنية تعادي المالكي والأسد وتناهض القاعدة وأشباهها وتفرعاتها في الوقت نفسه قد باءت بالفشل.

مساعي السعودية وحلفائها

بيد أن مساعي السعودية وحلفائها لإضعاف المالكي والأسد لصالح أطراف سنيّة أكثر اعتدالا جعلتهم يعملون لخدمة عصابات «داعش» التي تحركت بسرعة للسيطرة على المعارضة السنيّة في سوريا والعراق. ففي الموصل، مثلما حدث في الرقة السورية من قبلها، أخذت عصابات»داعش» تنزع السلاح من أيدي مناوئيها والمعترضين على سياستها ثم ترغمهم على إعلان ولائهم للخلافة الجديدة وتقتل من يرفض ذلك.

ربما سيترتب على الغرب الآن أن يدفع ثمن تحالفه هذا مع السعودية وباقي الأنظمة الملكية في الخليج التي طالما احتضنت الجهاد السني المتطرف وفضلته على الديمقراطية. وأصدق مثل نسوقه كشاهد على هذه المعايير المزدوجة التي تتعامل بها القوى الغربية عملية القمع التي دعمها السعوديون بحق التظاهرات الديمقراطية السلمية التي قامت بها الغالبية الشيعية في البحرين في آذار 2011 والتي استخدمت فيها وحشية مفرطة بحق الشيعة ودمرت أضرحتهم ومساجدهم.

وفي العراق تمكنت القوى الغربية وحلفاؤها في المنطقة من تفادي تحمل المسؤولية بسبب دورها في إيقاد الحرب في العراق من خلال إلقاء اللوم على رئيس الوزراء نوري المالكي. ولكن المالكي، رغم كل ما يقال، ليس السبب في حالة التفكك التي يشهدها العراق. فالأمر الذي أدى إلى زعزعة استقرار العراق منذ 2011 حتى الآن هو الانتفاضة التي قام بها السنة في سوريا ثم استيلاء الحركات الجهادية على تلك الانتفاضة وما تلقته من دعم سعودي وقطري وكويتي وإماراتي. وقد حذر السياسيون العراقيون مراراً وتكراراً بأن القادة الغربيين، من خلال سماحهم باستمرار الحرب الأهلية في سوريا وعدم العمل على إنهائها، سوف يجعلون تجدد الصراع في العراق أمراً مؤكداً. وهذا ما اشار اليه أحد القادة السياسيين في بغداد بقوله: «أعتقد أنهم لم يصدقوا ما قلناه لهم لأنهم كانوا متشبثين بفكرة الخلاص من الأسد.»

خروج الوحش من السيطرة

لقد صنعت السعودية وحشاً فرانكنشتانياً سرعان ما بدأ بالخروج عن سيطرتها. وذات القول يسري على حلفائها الآخرين مثل تركيا التي أصبحت قاعدة خلفية مهمة لـ «داعش» وجبهة النصرة من خلال ترك حدودها مع سوريا، البالغ طولها أكثر من 240 كيلومتراً، مفتوحة على مصراعيها. فقد سقط معبر حدودي كان يسيطر عليه الكرد بيد «داعش»، وبسقوطه ستجد تركيا أن جاراً جديداً قد حل بجوارها .. جار يتمتع بشهوة جنونية للعنف، جاحد لا يشعر بأدنى امتنان للخدمات الجمة التي كانت تقدمها له المخابرات التركية.

السعودية ستندم هي الأخرى بسبب دعمها للانتفاضة السنيّة في سوريا والعراق، فقد بدأت وسائل الإعلام عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالحديث منذ الآن عن بيت سعود وبأنه سيكون الهدف التالي.

لا ريب أن نهوض «داعش» خبر سيئ للشيعة في العراق، ولكنه خبر أسوأ للسنة الذين استسلمت قياداتهم لحركة مصابة بتعطش مرضي إلى الدم ولا تعرف معنى التسامح. حركة إسلامية أقرب في جوهرها إلى «الخمير الحمر» لا هدف لها سوى أن تخوض حرباً بلا نهاية.

شدة تعصب «داعش» وحسن تنظيمه قد يجعل من الصعب إزاحته بسرعة، ولكنه لن يتمكن من الانتصار على المدى البعيد. وإلى ذلك الحين نستعيد قول الأمير بندر: «كان الله في عون الشيعة.» ولكن المجتمع السني الممزق في العراق وسوريا قد يكون بحاجة لعون الله أكثر من الشيعة.

شاركنا الخبر
احدث الاضافات
آخر الأخبار