بين 14 تموز 1958 وحتى يومنا هذا فاصل زمني كبير تعاقبت فيه حكومات كثيرة على حكم العراق وأسماء لحكام هي الأخرى كثيرة، لكن ما ترسخ من هذه الأسماء في ذاكرة الشعب العراقي بشكل إيجابي هو اسم الزعيم عبد الكريم قاسم، هذا الرجل الذي جعل كل العراقيين يشعرون بالتغيير الحقيقي والذي أسس لدولة المواطنة الحقيقية التي عبر عنها دستور 1958 الذي منح الجميع حقوقهم في هذا الوطن. عبد الكريم قاسم لم يكن زعيم انقلاب غايته الوصول إلى السلطة بقدر ما انه صنع ثورة وجد الشعب فيها هدفه ووجد في الزعيم قاسم رجلا حقق له في سنوات قليله منجزات كثيرة لا تزال شاخصة وقائمة على أرض الواقع. عبد الكريم قاسم نجح كزعيم وطني لأسباب عديدة، أولها إنه أدرك أولويات الشعب العراقي ووضعها كأولويات له وسار على تحقيقها بزمن قياسي بالمقارنة بتاريخ العراق الطويل. لا أحد يمكنه أن ينكر إنجازات الرجل وقد يقول البعض إن ثروات العراق كبيرة وهو استثمرها بالشكل السليم والصحيح، ولكن هؤلاء تناسوا أن هذه الثروات موجودة قبل حكمه وبقيت بعد حكمه بل تضاعفت عشرات المرات دون أن يلمس المواطن العراقي استثمارا لها بذات الدرجة التي كانت موجودة للفترة من 1958 حتى 1963 وهذا ما يدلل على ان الرجل تعامل بنزاهة كبيرة جدا مع أموال الشعب التي سخرها في بناء آلاف المدارس والمستشفيات والطرق بما جعل العراق يزدهر في عهده. والسبب الثاني انه تعامل مع الشعب العراقي كأمة متنوعة القوميات والأديان وبالتالي كسب ود الجميع خاصة وان دستور عام 1958 في المادة (3) يقول: (يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية)، هذه الوحدة الوطنية التي كانت سمة بارزة في عهده وتمكن من خلال ذلك من إيقاف الصراع الداخلي القومي آنذاك وتوحيد كلمة العراقيين. والسبب الثالث إن اغلب العراقيين كانوا يعتبرون عبد الكريم قاسم ممثلا لهم ومطالبا بحقوقهم وبالتالي إنه تجاوز الأطر المناطقية والقومية والدينية ليجعل من الشعب العراقي ينصهر في المواطنة الحقيقية التي كانت هدفا ساميا من أهداف ثورة 14 تموز1958. وهذا ما جعل العراق بلد الجميع دون استثناء مما أدى إلى استقرار العراق والشروع بالتنمية الشاملة التي كانت أحد أهداف ثورة 14 تموز 1958، وهي تنمية لم تكن نظرية بل عملية تجسدت في آلاف المشاريع التي غطت مجمل الجغرافية العراقية مع التركيز على جوانب التربية والصحة وطرق المواصلات. لا زلنا نستذكر ثورة الشعب العراقي في 14 تموز ومعها نطل على سيرة زعيم وطني كبير تمكن في سنوات قليلة من أن ينجز للعراق ما يجعلنا نفخر به وبسيرته الوطنية التي ملأت الذاكرة العراقية.

حسين علي الحمداني





